الإثنين 13 شوال / 17 يونيو 2019
08:25 ص بتوقيت الدوحة

مسعود البارزاني بين الكرد والعرب

مسعود البارزاني بين الكرد والعرب
مسعود البارزاني بين الكرد والعرب
العراق اليوم والمنطقة بأسرها على أعتاب تحولات خطيرة، والشعب العراقي بجميع أطيافه أمام مفترق طرق خطير؛ فالعرب السنة وهم شطر العراق أمام خيارات مصيرية صعبة للغاية، والتركمان -وجلهم سنة عراقيون- في وضع لا يحسدون عليه، وكذلك النصارى وبقية مكونات شعب بلاد الرافدين وأرض السوادين. الجماهير الكردية اليوم أمام خيارين، إما أن تستمر في اختيار البارزاني رئيسا للإقليم أو تبدأ عملية البحث عن رجل المرحلة بين شخصيات عديدة غير مجربة لهذا المنصب. فقيادة الأحزاب الإسلامية (الاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية) وإن كانت قد أعلنت معارضتها ترشح البارزاني مبدئيا، إلا أنها واقعة بين اتجاهين: الاتجاه الأول يرى أن الحزب الديمقراطي (مع حليفه الاتحاد) قد ضيق الخناق على معارضيه وحرمهم من المشاركة الفعلية في إدارة الحكم، وضيق على حرية الكلمة، ولم يتمكن من الفصل بين السلطات السياسية والمالية، ولم يستطع بناء مؤسسة عسكرية بعيدة عن التجاذبات السياسية، ولم يعالج الانقسام الحاصل في الإقليم، ولم يرفع الظلم الواقع على الجماهير (كاستئثار الحزبين الحاكمين بالمناصب الإدارية والمراكز الحكومية والعلمية وتكديس الأموال والعروض التجارية بيد أغنياء معدودين مقربين من الحزبين، وبالنتيجة زيادة الهوة بين طبقة المترفين الأثرياء وطبقة المهمشين الفقراء)، ولم يستطع وقف تمدد المشروع الإيراني الفكري والسياسي في الإقليم. ويقول أصحاب هذا الاتجاه: إن كان الزعيم البارزاني قد حقق العديد من الإنجازات الشاخصة للعيان فقد حان الوقت لتولي قيادة جديدة حسب العقد الاجتماعي الذي اتفق عليه نواب الكرد عام 2006، والشعب الكردي لم يعدم رجالا آخرين جديرين بالحكم. ولكن في المقابل اتجاه ثان يقرأ المسألة بطريقة أخرى، فيرى أن انسحاب البارزاني من سدة الحكم سيترك فراغا سياسيا خطيرا يستغله أعداء الإقليم، لأن البارزاني قد اكتسب خبرة متراكمة في الحكم وحنكة سياسية في دهاليز السياسة العراقية والإقليمية والدولية المتشعبة والمعقدة، واستطاع أن يجعل من الإقليم نموذجا للاستقرار الاقتصادي والتعايش السلمي وحرية تشكيل الأحزاب السياسية، وواجه بجدارة ثلاثة محاور للصراع: المحور الأول: مراوغة القيادة الأميركية الحليفة وتذبذبها ووقوفها أخيرا في صف المالكي المدعوم بقوة من إيران. المحور الثاني: تجاهل متعمد من القيادات التركية المتعاقبة حتى زمن قريب حين تغيرت وتحولت إلى حليف جديد بقيادة أردوغان، الذي أسهم في تنمية إقليم كردستان العراق ودعم مشاريعه وتخفيف حدة الخلاف بين التركمان والكرد إلى حد ما، من دون حل جذري للخلافات. المحور الثالث: مكر ودهاء القيادة الإيرانية التي تدعم المالكي والجعفري والصدر والحكيم بكل ما أوتيت من قوة، في وقت وقف فيه العديد من قادة العرب موقف المتفرج من محنة الشعب العراقي بكل أطيافه، والذي لم يكد يصدق خروج المحتل الأميركي حتى وجد نفسه في براثن احتلال الجارة إيران بقيادة قاسم سليماني القيادي في قوات الحرس الإيراني. أما القطب المعارض الثالث -وأعني كتلة التغيير- فهي كذلك في مقدمة المعارضين، فنوشيروان الذي يقود الحزب قيادي معروف على خط مخالف لتوجهات البارزاني، وله تاريخ طويل من الصراع الدموي ضد قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني خلال سنين عجاف من حرب رفاق السلاح، والواقع أن صراع نوشيروان مع حزب البارتي وليس مع حزب الاتحاد، وهو من مؤسسي حزب الاتحاد بزعامة الطالباني. ثم ماذا عن الحزب الحاكم في بغداد والمتحالفين معه؟ من الواضح أن إزاحة البارزاني يصب في صالح إيران التي تدعم المالكي، وقد عبر نوابه في البرلمان (كياسين مجيد) بكل صراحة أن مسعود البارزاني يشكل خطرا على حكومة المالكي.. ثم إن القيادات الشيعية ترى أن مسعود البارزاني قد قوي عوده في ميدان الصراع السياسي، وأنه رجل صعب المراس لا يستسلم للضغوط الممارسة ضده بسهولة، والبارزاني في نهاية الأمر في حسابات المالكي وإيران زعيم سني عراقي كردي قوي.. أما الجماهير الكردية فمنقسمة إلى شطرين، فمنهم من فقد الأمل في تغيير حقيقي في سياسات البارزاني لو فاز بفترة رئاسية جديدة، وهؤلاء من طبقة المثقفين الشباب ومهجري كركوك وسكنة المجمعات السكانية المهمشة خارج المدن والمناطق المتنازع عليها، ومن تبقى من ضحايا عمليات الأنفال وأسرهم المهمشة. أما الشطر الثاني من الجماهير الكردية (بمختلف التكوينات) فمع بقاء البارزاني في سدة الحكم، ولعل البارزاني مستيقن أن هذا الشطر يشكل الأغلبية (وإن كانت أغلبية ضئيلة)، فهي تفضل ترشح البارزاني للحفاظ على مكتسبات الإقليم، وهي ترى كذلك أن عقدين من الصراع السياسي وبناء مؤسسات الإقليم قد جعلت منه قائدا مناسبا لهذه المرحلة وصار له وزنه السياسي الإقليمي والدولي، وأنه استطاع مع معاونيه ومعارضيه (الراحلين والباقين) أن يحول إقليم كردستان العراق إلى مأوى آمن لكل مكونات الشعب العراقي (المسلم والمسيحي والصابئ واليزيدي والكردي والتركماني والعربي). ومن المفارقات أن المعارضين حينما تذكر مكتسبات الإقليم (كالاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي) يقولون: البارزاني ليس صاحب هذه الإنجازات لوحده بل المعارضة شريكة في هذه الإنجازات، بينما حين تذكر الأمور السلبية تقول المعارضة البارزاني وحده المسؤول!! كل هذه التعقيدات في المشهد السياسي تضع الكرد حكومة ومعارضة أمام خيارات صعبة أيسرها عسير. وماذا عن موقف العرب السنة؟ القيادات العربية السنية العراقية سواء كانت علمية أو عشائرية أو سياسية (داخل العملية السياسية أو خارجها) كانت حتى الأمس القريب إما محايدة أومجافية للقيادات الكردية، ومعارضة لتجربة إقليم كردستان العراق. ولكن بعد مرور عقد من الاحتلال المزدوج (الأمريكوإيراني) وتعرض العرب السنة لسلسلة عمليات تصفية مذهبية وعرقية بشعة (لعل آخرها مجزرة الحويجة) تغيرت قناعات العديد من هذه القيادات. (فبينما) لا تزال بعض قيادات السنة العرب ترى أن رئيس الإقليم حليف استراتيجي لقادة الشيعة، وأن صراعه مع بغداد صراع تكتيكي مؤقت للحصول على مكاسب، وليست هنالك ضمانات لعقد حلف معه خشية أن يستخدمهم كورقة ضغط على المالكي ثم يتخلى عنهم في لحظة حرجة، (فإن) العديد من قيادات السنة العرب يرون أن الكرد هم العمق الاستراتيجي الحقيقي للشعب العراقي، والتحالف معهم أمر ضروري لصالح جميع الأطراف، وإقليم كردستان اليوم منطقة آمنة لجميع العراقيين المهجرين الذين وجدوا لهم ملجأ في الإقليم الذي صار بمثابة القلعة السنية العراقية الوطنية الوحيدة الباقية خارج دوامة التقتيل والتهميش والتهجير والتعذيب والقتل على الهوية المذهبية والدينية. ولعل هذا الاتجاه بدأ يتبلور كذلك عند بعض المفكرين العرب كالمؤرخ الإسلامي علي الصلابي، إذ يقول (مسعود البارزاني -رغم كل النقد الموجه إليه- هو الزعيم السني الأقوى في العراق، وبالتالي من الأولى أن يلتف حوله قادة السنة الكرد والعرب والتركمان). هذه آراء متباينة طرحتها للنظر ولست بصدد ترجيح رأي على آخر.. ولكن نصيحتي لكل من يتولى أمر الإقليم لفترة قادمة سواء كان البارزاني أو غيره أن يتقي الله ربه ويرأف بالناس ويحكم بينهم بالعدل، والإنسان العراقي كغيره من بني البشر يريد أن يحيا حياة حرة كريمة من غير ظلم ولا بخس ولا عسف.. في ظل قضاء مستقل وحرية الاعتقاد والعبادة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.