الأحد 23 ذو الحجة / 25 أغسطس 2019
02:32 م بتوقيت الدوحة

فلسفة العمل التي نريدها

نوف الفيصل

الإثنين، 01 أبريل 2013
فلسفة العمل التي نريدها
فلسفة العمل التي نريدها
العمل قيمة حضارية تعكس ثقافة الشعوب، ومقاربات العلماء لها تمثل مرحلة النضج الفكري الذي يؤطر صورتها في علوم كل أمة وفكرها، فأفلاطون على سبيل المثال يرى أن قليلاً من العلم مع العمل به أنفع من كثير العلم مع قلة العمل به، وعند شعوب وسط آسيا كما لدى الشاعر الداغستاني رسول حمزتوف لا قياس للإنسان أفضل من عمله، ولعل مقولته مستوحاة من قول الإمام علي -رضي الله عنه-: «قمة المرء ما يحسنه». أما أينشتاين فألحَق الإبداع في العمل بالحرية حين قال: «كل ما هو عظيم وملهم صنعه إنسانٌ عَمِلَ بحرية»، ومن وجهة نظر دينية أغلب الأنبياء كانوا يمارسون حرفة ما، فإبراهيم عليه السلام كان بزازاً، وعيسى عليه السلام كان نجاراً، وكان محمد (ص) راعياً ثم تاجراً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل العمل فطرة أو ضرورة؟ وماذا عن أولئك الأغنياء العصاميين الذين أجبروا أبناءهم على العمل لاستشعارهم قيمة العمل كضرورة حياتية، وتقديراً منهم لأهمية الإنتاج في حياة الإنسان العامل؟ وماذا عن تجربة العمل في اليابان التي تبدو للمراقبين كنموذج مثالي بالنسبة للشعوب الأخرى، حيث نرى الموظف الياباني أكثر إقبالاً على العمل عالمياً من حيث نسبة ساعات العمل، علماً بأن الموظف الياباني لا يحصل إلا على 9 أيام إجازة في السنة. وأثناء عمله يحضر باكراً، وعندما يغادر قبل زملائه فإنه يتأسف لهم لمغادرته قبلهم، بعد شكرهم على يوم العمل معهم. وهو ما جعل سوق العمل الياباني يتميز بالتنافسية الشديدة ويدفع نحو جودة الإنتاج ورخص الأسعار، وعندما يبلغ الموظف سن التقاعد عندهم يسارع بالعمل في الجهات التي توظف المتقاعدين. ولعل من أسباب هذا النجاح في خلق بيئات العمل الخلاقة ما توليه اليابان من اهتمام كبير بالتعليم من البدايات، حيث تركز منذ المراحل الأولى على أن يتم إعداد الطلاب مهنياً كما أكاديمياً، بالإضافة إلى أنهم غالباً ما يضعون وطنيتهم نصب أعينهم، فيجعلون المصلحة العامة قبل المصلحة الفردية دون إضرار بالمصلحة الفردية. أما في الدول النامية فغالباً ما تكون فلسفة العمل مرتبطة بنهج آخر يعتمد الشكلانية على المضمون، حيث يرتبط إنجاز الموظف بنظام الحضور والانصراف دون مراعاة للإنتاجية، رغم وجود الراتب الضخم، كما في قطر مثلاً التي يحصل فيها الموظف على أعلى الأجور من بين دول الخليج الأغنى في المنطقة والعالم، ورغم أن الدولة صاغت رؤية نوعية لمستقبل قطر على جميع الأصعدة، لكن الجزء المهني منها يستدعي نداء للنظر في بيئة وسلوك العمل الحكومي قبل الخاص.. ولا نعمم. لكن عند التأمل نجد الموظف الجديد ينخرط في العمل غالباً مفعماً بالحماس لعمله لتقديم الأفضل، مع ما يتملكه من رغبة عارمة لاكتساب المعرفة والخبرة المهنية. والأغلبية يتوظفون في الوزارات والهيئات الحكومية، التي تعاني أحياناً من سوء توزيع كثافة العمل، حيث يتسم العمل فيها بتمركزه في أيدي قلة تكون أكثر فاعلية وعطاء من غيرها فيما بقية زملائها، وأغلبهم من الخريجين الجدد، يقضون اليوم العملي من غير عمل يذكر. وهو ما يترك لدى الموظف المستجد علامات استفهام ضخمة تلاحقه منذ دخول عمله وحتى خروجه عن دوره وعما ينبغي منه وما قام به من أداء، ولعل من أسباب ذلك عدم وضوح حدود مهامه الوظيفية، وربما اختلاف ما يكلف به من عمل عن طبيعة تخصصه الأكاديمي بالإضافة لنقص التدريب. استعراضي للتجربة اليابانية آنفاً لم أهدف منه إلى ما يمكن اعتباره تعجيزاً لما يمكن محاكاته في بيئة العمل المحلي، ولكن لنستفيد من تجارب الأمم الأخرى، كما استشعروا هم من قبل الرغبة في التطور كهدف وعملوا له حتى حققوا ما عقدوا عليه آمالهم، ومن ثم تخلقوا بأخلاق العمل، ونحن لدينا أقوى الدوافع والحوافز للعمل والتطوير والإتقان التي يحث عليها ديننا الإسلامي فهو يدعو لحب العمل واحترام قيمه، لذا نحن نتطلع إلى تحقيق رؤية قطر 2030 وقد ارتقت بشخصية الموظف القطري، عبر الارتقاء المنغرس في شخصيته، بدءاً من تعلمه قيمة العمل في المناهج التعليمية، وبطبيعة الحال فالمجلس الأعلى للتعليم مسؤول عن تكوين شخصية الموظف المستقبلية بجانب الدور الأسري لتتبلور ثقافة العمل الخلاقة التي ننشدها لتدخل الطالب في دائرة مستمرة من اكتساب المعارف والخبرات الضرورية لخلق مواطن واع لمسؤولياته، واضعاً نُصب عينيه المصلحة العامة، سواء كان رئيساً أو مرؤوساً، وبالتالي لا يكفي أن يكون التقطير شعاراً، في ظل وجود الموظف الأجنبي الذي يمارس دوره كعراب للموظف المحلي الذي يدار أحياناً كحجر شطرنج على رقعة التقطير، لينتهي لثلاث حالات: إما أن يسكن مكانه ويتقوقع على نفسه، أو يستحيل كأداة بيد غيره، أو أن ينتظر حجراً آخر يسقطه ليحل مكانه. والمتعين أن يستشعر الموظف أهميته في مكان عمله، وأن يدرك أن بإمكانه تجاوز التحديات بكفاءة ليحصد الرضا النفسي ومن ثم الرضا الوظيفي المفضي لاكتساب السعادة التي من شأنها تكوين مجتمع ذي شخصية منتجة متحررة من التبعية، حيث قوانين التقدم التي إذا ما ترجمت إلى ممارسة عملية في المجتمع سيكون التقدم سمة هذا المجتمع الذي يريد من جوارحنا أن تصدق أفئدتنا التي تخفق بحب الوطن، لذا يجب أن نعمل من أجل ذلك، وبما يوازي الطموح الكبير الذي جعل قطر في طليعة دول المنطقة التي يشار إليها، لما تتمتع به من دور كبير صنعته مواقفها الكبيرة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

بص حضرتك

23 أبريل 2013