الثلاثاء 16 رمضان / 21 مايو 2019
08:45 ص بتوقيت الدوحة

«معوض عادل» استشهد قبل عامين ورأيته حياً منذ يومين

«معوض عادل» استشهد قبل عامين ورأيته حياً منذ يومين
«معوض عادل» استشهد قبل عامين ورأيته حياً منذ يومين
لم أصدق حين سمعت الخبر: اتجهت والدة «معوض» إلى شارع القصر العيني ومعها عبوة بنزين. قررت السيدة الصبورة المؤمنة الخاشعة أن ترفع صوتها ناراً أمام مجلس الشورى فربما يسمعون. وحين سألتها قبل عدة أيام أحدث فعلا أنك حاولت الانتحار حرقاً؟ لم تنفِ ولم تؤكد. كل ما قالته «يا جيهان يصر الموت أن يأتيني كل يوم، تخنقني طلته، ويرعبني حضوره، أليس من حقي أن أواجهه لأنهي الأمر؟ ليس فيها شيء غير عادي. أم ككل الأمهات. تتطلع لأبنائها في الصباح وتنثر على وجوههم حناناً وفيراً، ثم ترسل خلفهم دعواتها وتسأل الله في صلاتها أن يحميهم من كل شر، لكن ما حدث أن الشر سقط على صغيرها «معوض» حين استقرت رصاصتان في رأسه، فسقط على الأرض ودماؤه التي لم تر وجوه العسكر من قبل تدفقت مندفعة بالفضول غير مصدقة أن كائناً ما يمكنه أن يتجرأ ويعتدي على شاب مسالم خلوق مثل صاحبها. الدماء تمادت وسارت بمفردها في الطريق متجهة إلى الشارع الذي يصل ميدان التحرير بوزارة الداخلية. عساكر الداخلية لم يعجبهم لون الدماء الأحمر المتسرب في الشارع من دون إذن أو وثيقة هوية فأخذوا يضربونها بأحذيتهم الثقيلة وحين انتبهوا أن الدماء لا تشعر ولا تصرخ. ساروا خلفها حتى بلغوا جسد «معوض عادل». وجدوه على الأرض شاباً أبيض البشرة بهي الطلعة ملقى ورأسه تنزف دماء مسترسلا، أحذية الجنود أصابها الجنون فأخذت تضرب عادل في رأسه، تكاثرت الضربات على ثقبي الرصاص الثقوب اتسعت والدماء ازدادت انهماراً. لكنهم لم يفلحوا في إيقاظه. كان «معوض» غائباً لم توقظه الأحذية ولم تؤلمه كما كانوا يرغبون. كان الشاب طالب الصيدلة النابه قد ذهب. ضاع في الغيبوبة ولم يخرج منها منذ نوفمبر عام 2011 إلى اليوم. في غرفته بمستشفى القصر العيني الفرنسي يقبع «معوض» نائماً كطفل هادئ، لا يتحرك أبداً ولا يفتح عينيه ولا يخرج صوته ليهدئ من روع السيدة «نجاة محمود» والدته التي تركت طلابها في المدرسة وتركت أخوة معوض وتفرغت لمراقبة النائم الذي أسموه «الشهيد الحي». حين سألتها عن ذلك المسمى أجابت «هو غايب من يومها زيه زي الشهداء. لكن أنا عندي أمل في رحمة ربنا عندي أمل...». وقبل أن تنهي كلماتها فقدت تماسكها الذي قابلتني به. اختفى في لحظة صوتها المنظم الذي كان يصف بدقة ووعي تطورات حالته. ضاعت منها الحكمة وعادت أمومتها المكلومة تبكي بلا هوادة. لم أستطع أن أكفكف دموعها. ولم تتمكن هي من رفع نظرها عن ولدها المسجى أمامنا وعلى وجهه نصف ابتسامة. للحق لا أعرف إن كانت ابتسامة أم أن الأنابيب الكثيرة الواصلة إلى أنفه وإلى حلقه والممتد بعضها إلى رأسه هي التي أوحت لي بالابتسام. في إصبعه كان هناك مشبكاً يقيس حركة القلب. وحول قدميه وعلى جانبيه أنابيب أخرى. كان نائماً على فراش أبيض وخراطيم بلاستيكية. ومن حوله تبعثرت أجهزة ومؤشرات وألم وحزن وانتظار ودعوات وإحباط وأطباء وأسئلة تبحث عن إجابات. وكما هي عادة الإجابات. ادعت الغباء ولم تستجب. على شاشة التلفزيون وفي كبريات البرامج الحوارية سألت السيدة «نجاة محمود» والدة معوض «أيعقل أن تفرض علينا الحكومة السفر إلى لندن أسبوعين وحالته ليس لها علاج في العالم إلا في ألمانيا التي لم يستطع أطباؤها تحديد مدة علاجه قبل أن يفحصوه؟ أهناك منطق في بعثه إلى لندن حيث تعاقدت الحكومة مع مستشفى هناك لاستقبال كل الحالات بغض النظر عن طبيعتها أو خطورتها؟ أيعقل أن يخصص لعلاجه عشرة آلاف جنيها إسترليني؟ في حين أن المبلغ الأولى الذي طلبه المركز الألماني المتخصص في حالته مائتي وستون ألف يورو؟ أيعقل أن يظل «معوض» مقيماً في المستشفى بلا علاج؟ وتسأل الممرضة التي تبكي كلما دخلت غرفته تنظفها وترفع الملاءات. ألم يكن ممكناً خفض ميزانية الزهور التي تنسق بها مزهريات القصر الرئاسي؟ ألم يكن ممكنا خفض قائمة المشروبات والأطعمة التي يستهلكها أعضاء مجلس الشورى في اجتماعاتهم؟ ألا تستحق حياة إنسان آمن بالثورة ودافع عنها وأسهم كما الملايين غيره في وصول تلك الحكومة للسلطة أن يعالج؟ وباندهاش يسأل مقدم البرامج المصري «يسري فودة» أين وزارة الصحة؟ أين مخصصات علاج المصابين؟ أين رجال الأعمال؟ أين الرحمة؟ أين تسكن قيمة الإنسان؟ ويبكي أصدقاؤه سائلين وأين الموت؟ فليأتي إن كان قادماً. لكن البقاء عامين على الخط الفاصل بين الموت والحياة، جحيم لنا، وجحيم لأسرته وجحيم لمن ينتظر الضمائر أن تستيقظ.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.