الثلاثاء 16 رمضان / 21 مايو 2019
07:25 ص بتوقيت الدوحة

«الهجرة» السورية الكبرى

«الهجرة» السورية الكبرى
«الهجرة» السورية الكبرى
يمكن وصف الثورة السورية بألف طريقة وطريقة، فهي تحمل في طياتها بحراً من المعاني سيأتي قريباً اليومُ الذي تظهر دلالاتهُ الحقيقية للناس. لكن وصف (الهجرة) قد يبدو في هذه المرحلة مُعبّراً عن واقع السوريين أكثر من غيره من التوصيفات. صبرَ الشعب السوري عقوداً طويلة على واقعٍ مرير، تارةً باسم التحرير والممانعة، وتارةً أخرى باسم التنمية والتقدم والازدهار. مرّت السنوات والعقود، فلم يسمع الشعب إلا الوعود، ولم يرَ إلا الاحتفالات بإنجازات كلامية ليس لها أثر على أرض الواقع. ظهرت مسمياتٌ دون مضمون، وبُنيت هياكل كان يملؤها أولاً الفراغُ والضباب، ثم صار يحشوها الزيف والفساد والمحسوبية والنفاق. طال زمن الانتظار السوري على رصيف التاريخ. لم يعد ممكناً التعامل مع هذا الواقع بأنصاف الحلول ولم يكن هناك بدٌ من هجرةٍ كبرى. صبرت سوريا التاريخ والحضارة سنوات وسنوات، وحين توارت النخبة قليلاً تحت سيف القمع الرهيب، لم يجد الشعب بداً من أن يخرج بنفسه إلى الشوارع. سدّ الفكر السياسي المتخلّفُ للنظام الزائل جميع المداخل، وأغلق كلّ الأبواب والنوافذ، لكنه نسي أن حركة التاريخ لا يمكن أن تتوقف. انفجرت العبقرية الجماهيرية للشعب السوري وظهرت باهرةً كضوء الشمس من تحت ركام سنين طويلة من الألم والمعاناة. قرر المارد أن يخرج بنفسه من القمقم، وجدَ أن الوقت قد حان لكي يستلم زمام الأمور، ولكي يطلب حقوقه بصورةٍ تليق بكل المعاني الكبرى الكامنة في حضارته العريقة. هاجر السوريون إذاً بحثاً عن ولادةٍ جديدةٍ لواقعٍ إنسانيٍ جديد. واقعٍ لا تتنافر فيه بالضرورة مقوّمات الأصالة مع مقوّمات المعاصرة، ولا يشتبك فيه لزاماً التاريخ بالحاضر، ولا تتناقض فيه وجوباً متطلبات الدنيا مع متطلبات الآخرة، ولا تتضارب فيه عوامل الهوية الذاتية مع مقتضيات العلاقة مع الآخر. وفي خضمّ ثورتهم، يهجر السوريون تدريجياً ثقافةً حدّيةً تنظر إلى العالم وتفهم الحياة فقط من خلال الثنائيات المتناقضة، ويهاجرون بحثاً عن ثقافةٍ أخرى. ثقافةٍ تدرك كيف يمكن أن يكون شعبٌ أصيلاً ومعاصراً في الوقت نفسه. ثقافة تتصور إمكانية أن يعيش شعبٌ حاضرهُ وزمانه بكل الحيوية المطلوبة، وأن يكون في الوقت نفسه ممتلئاً بعبق التاريخ. ثقافةٍ تفهم أنه يمكن لشعبٍ أن يحيا في هذه الدنيا حياةً طيبةً، ملؤها الخير والحق والعدل والحرية والجمال، ثم تكون تلك الحياة بحدّ ذاتها طريقاً إلى نعيم الآخرة الموعود للصالحين المصلحين من بني البشر. ثقافةٍ تدرك أنه يمكن لشعبٍ أن يحافظ على كل خصائص ومقومات هويته الذاتية، وأن ينفتح في الوقت نفسه على الآخر في هذا العالم أياً كان، ويتفاعل معه أخذاً وعطاءً، بكل الطلاقة وبكل الحيوية، دون أن يكون هذا بالضرورة سبيلاً لذوبان الهوية وضياع الخصوصيات. وجد الشعب السوري في رحلة الهجرة، وبعد عقودٍ من الصبر والمعاناة والتعب، فِراشهُ الأصلي الذي كان يبحث عنه، فراش الكرامة والحرية والوحدة الوطنية، وبدأ يندسُّ في هذا الفراش الممتدّ على مساحة الوطن بأسره. شرح الله من عليائه صدر هذا الشعب المصابر على طريق الهجرة، فرمى عن ظهره وزر أثقال أنقضته من القهر والذلّ والهوان، واندسَّ في ذلك الفراش، ملتحفاً بكل ما في طاقة الإنسان على هذه الأرض من معاني العزّة والشجاعة والبطولة والتضحية والفداء. شعر بالدفء بعد بردٍ قارسٍ طويل، فانفجرت عبقريته بألف طريقة وطريقة لتُظهر للعالم نموذجاً فريداً عما يمكن أن تفعله الشعوب حين يشتعل شوقها إلى الحرية. كلمةٌ واضحة هي مناطُ التكريم الإنساني الفريد على هذه الأرض، ولا تحتاج إلى تعريفٍ تطلبه أبواقٌ تافهة لا تستحق أن تُذكر بأكثر من هاتين الكلمتين. اندسَّ الشعب السوري في فراش الكرامة والحرية، فظهرت فيه طاقةٌ أسطورية على مواجهة الرصاص والمدافع والدبابات. يمضي اليوم وراء اليوم، والأسبوع خلفه الأسبوع، وإرادة هذا الشعب لا تتزعزع. يتساقط الشهداء مثل ورود ربيعٍ قطفتها يدٌ آثمة، تُعتقل آلافٌ في إثرها آلاف، تُحاصر مدنٌ ومناطق بكل ما فيها ومن فيها، تُستخدم كل أنواع الإرهاب والترويع والتعذيب والإهانة لكسر النفوس قبل الأجساد. فلا تجد إلا الإصرار على متابعة المسيرة، ولا تسمع إلا قصص الصمود والتحدي والتصدي. كلماتٌ حسب الناس أنها صارت محض شعارات تلوكها الألسن زوراً وبُهتاناً، وإذا بالشعب السوري يبث فيها روحاً تنبض بالحياة. هكذا تستعيد الشعوب رصيدها الأخلاقي السامي في لحظاتٍ تاريخية تسوق الأقدار ظروفها المناسبة. عرف شباب سوريا أنه لم يبقَ أمامهم إلا أن يفرضوا عودتهم إلى التاريخ فرضاً، فقاموا بكل ما يجب عليهم القيام به لتحقيق ذلك الهدف. المفارقة التاريخية أن سوريا شهدت خلال رحلة الهجرة تطبيقاً حقيقياً لكل الشعارات التي كان النظام ينادي بها زيفاً وادّعاءً على مدى عقود. أظهر السوريون خلال هذه الفترة ما هو المعنى الحقيقي لمقولة إن سوريا هي (قلب العروبة النابض). فالقلب هو العضو الحساس في الجسد، وهو الذي يجب أن يقاوم بكل ما يستطيع ليبقى الجسد حياً، مهما كانت الهجمة عليه قويةً وشرسة. ستنتصر الثورة السورية وستكتمل هجرتها الكبرى في آخر الأمر وقف العالمُ معها أم لم يقف. فمن الواضح من جميع المؤشرات أن خيار الشعب السوري يتمثل في استمرار ثورته وتطويرها، حتى لو سار فترةً من الزمن على طريق الآلام كما سار المسيح عليه السلام، وستغير هجرته وجه المنطقة والعالم، تماماً كما حصل بعد هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.