الجمعة 16 ذو القعدة / 19 يوليه 2019
09:47 ص بتوقيت الدوحة

سوريا.. ولادةُ وطن

سوريا.. ولادةُ وطن
سوريا.. ولادةُ وطن
في عددها مطلع الأسبوع الماضي، نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية مقالاً بعنوان «سوريا، موت وطن». وعلى غلاف العدد، وضعت المجلة رسماً من ثلاثة أسطر يُعبّر عن دمار سوريا بشكلٍ تدريجي وصولاً نحو الخراب الكامل. بعدها بأيام، أضاف الفنان وسام الجزائري إلى صورة الغلاف ثلاثة أسطر أخرى تُعبّر رسوماتُها بشكلٍ واضح عن ولادة سوريا الجديدة، ونشر عمله الفني على صفحته في موقع (فيس بوك) وفوقه جملة واحدة: «من فترة أسبوع نزلت The Economist رسم فيكتوري لقصة موت سوريا.. أنا بقلهم فَشرتوا.. هيك رح تكون نهاية القصة».. و «فَشَرتوا» لمن لا يفهم اللهجة العامية السورية تعني تقريباً «خابَ ظنُّكم وفألكم». لا أعرف وسام الجزائري ولا أعتقد أن كثيرين يعرفونه، والمؤكد أن المجلة العريقة لم تكن تعرفه على الإطلاق. لكن (مبادرته) لأن (يفعل) شيئاً (عملياً) يؤكد إيمانهُ بإمكانية ولادة سوريا الجديدة وخروجها من مخاضها الحالي، جعلَ الكثيرين على معرفةٍ به. والأهم من ذلك أنه دفع المجلة نفسها للاتصال به وإجراء مقابلةٍ معه، ثم قيامها بوضع صورة (الغلاف الجديد) الذي رسمه على موقعها الإلكتروني بعنوان (نسخةٌ أكثر تفاؤلاً). ولأن أمثال وسام الجزائري موجودون بين السوريين، سيكون الحديث ممكناً عن ولادة وطن في سوريا، رغم كل ما في المشهد الراهن من تحديات. بل إن الثورة استمرت أصلاً لوجود هؤلاء. دع عنك بعض الأسماء المعروفة في عوالم السياسة والإعلام، فنحن نتحدث عن عشرات الآلاف من السوريين الذين كانوا ولا يزالون يعملون بصمتٍ في كل مجال بعيداً عن أضواء الشهرة والكاميرات. في تعليقها على مقابلة وسام، قالت المجلة: «لا يتفق الجميع (على صوابية دلالات) غلاف الأسبوع الماضي. كان الغلاف المذكور يوحي بالدمار التدريجي لوطن كنتيجةٍ للحرب بين الرئيس بشار الأسد والثوار الذين يحاولون إسقاطه، لكن ثمة جانباً لا يبدو أنه تعرض للتدمير، ويتمثل في الإبداع. بتاريخ 25 فبراير أخذ وسام الجزائري -وهو مُصمّم رسوم سوري شاب- على عاتقه معالجة الغلاف بشكلٍ مختلف. وانتشرت بشكلٍ كثيف نسختهُ المُوسّعة للتصميم، والتي عبّرت عن إعادة إعمار الوطن بعد انتهاء الحرب.. «لقد حمل الغلاف في طياته نظرةً سوداوية ومتشائمة للغاية عن الوضع في سوريا» قال الجزائري. «صحيحٌ أن هناك قتالاً بين الناس، لكن هذه حرب، والموت هو ضريبة الدم للوصول إلى مستقبلٍ أفضل». ويبقى الجزائري متفائلاً، وتحديداً بسبب ما يصفه بالطبيعة السلمية للشعب السوري. «لقد بدأنا ثورتنا من أجل الحياة ومن أجل الحرية والعدالة والمساواة» تابع الفنان. «وكما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي: إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر». رأى وسام الغلاف الأصلي لأول مرة، وشعر مباشرةً أنه يتناقض مع إيمانه الراسخ بإمكانية ولادة سوريا الجديدة. من هنا جاءت كلمته المعبّرة: «أنا بقلهم فشرتوا». من المرجح أن سوريين آخرين قرؤوا المقال المذكور، وأن ردّة فعلهم الشعورية كانت تُشبه ردّة فعله. لكن الفرق الكبير تمثّل في طريقة تعامله مع الموضوع. لم يكتب وسام تنظيراً مطولاً عن حتمية نجاح الثورة السورية وقدرتها على تحقيق أهدافها النبيلة. لم يفتح نقاشات موسّعة مع زملائه وزوار موقعه عن مضمون المقال ودلالاته. لم يحاول أن يُصبح محللاً سياسياً وعسكرياً يقوم بالغوص في تفاصيل المقال ودراسته. ربما فعل هذا بعضُ السوريين، ولم نسمع بهم. لكن وسام لم يفعل ذلك. وإنما عبّر (عملياً) عن إيمانه ذاك بالطريق التي يتقنها، ومن خلال تخصصه المحدد. من المؤكد أن التفكير بالتصميم الجديد وتنفيذه أخذ ساعاتٍ طويلة من العمل. لكن الأرجح أن صياغة عبارته (النظرية) التي وضعها تعليقاً على تصميمه جاء عفو الخاطر ولم يستهلك كثيراً من وقته وتفكيره. أجرى وسام حسبةً سريعة تندرج في إطار معادلة (القول) و(العمل)، ووجد الحلّ الصحيح للمعادلة. من هنا تحديداً، أصبح هذا الإنسان السوري فوراً جزءاً من الحلّ المنشود، ونجا من فخٍ كبير يقع فيه هذه الأيام سوريون آخرون، ليصبحوا جزءاً من المشكلة. ثمة طريقٌ واحد يقودك لتكون جزءاً من الحلّ. أن تؤمن. تؤمنَ بعدالة قضيتك. وتؤمن بقدرة الإنسان على التغيير. وتؤمن بقوانين الاجتماع البشري وسننه. وأن تعطي. تعطي من خلال (فعلٍ بشري) ينسجم مع قدراتك وإمكاناتك ومواهبك. هذا، ببساطة، هو ما يتطلبه الأمر لولادة وطن. أما بقية الطرقات فستذهب بك إلى وديان اليأس والقنوط والكآبة والاستسلام. يمكن الدخول في نقاشٍ لا ينتهي حول الوضع في سوريا، وحول حاضرها ومستقبلها. وسيكون هذا النقاش مشروعاً إذا نتج عنه حافزٌ لفعلٍ بشري يساهم في صناعة هذا الحاضر وذلك المستقبل. بل قد يصبح النقاش نقطة البداية، لكنه سيصبح نفقاً مظلماً لا سبيل للخروج منه عند الكثيرين إذا صار النقاش لمجرّد النقاش، فعندها سيكون نقطة النهاية بالنسبة إليهم. وهذا فخٌ ما أكثر أن يقع فيه السوريون هذه الأيام. قلتُ هذا الكلام في مقامٍ آخر وأعيده في مقام الواقع السوري الراهن: إن ما يجري في سوريا سيبقى شاهداً على ذلك التحدي الفريد في مسيرة التجربة البشرية. التحدي المتمثل في تفجير الكمون الإنساني لصناعة مستقبلٍ، ينبثق من الماضي بشكلٍ أو بآخر، ولكنه يبدو وكأنه لا يمتُّ له بصلةٍ على الإطلاق. سمِّها خصوصيةً. سمِّها مسؤوليةً. سمِّها قدراً. سمِّها اصطفاءً. سمِّها ما شئت. وهي ستبقى في النهاية كل ذلك. لكنها ستظلُّ أولاً وآخراً تحدياً إنسانياً بامتياز. تحدّي القدرة على الولادة الجديدة، حيث يخرج من أحشاء الحاضر القلق وضجيجه مولودٌ مغاير. مولودٌ مختلف بكل المقاييس. تحدّي تحقيق (الطفرة) التي تحصل في التاريخ الإنساني عندما (يقررُ) الإنسان أن ينفكّ من قيود واقعه. عندما يُحررُ نفسه من أوهامه قبل كل شيء، ويؤمن إيماناً لا يتزعزع بإمكانية تحقيق أحلامه. الطفرة التي تظهر، باختصار، عندما يغادر الإنسان محطة (الانتظار). وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال: هل ستولد سوريا الجديدة؟ وإنما سيكون: من سيساهم في تلك الولادة؟ من الواضح أن هؤلاء سيكونون حفنةً من المؤمنين بإمكانية ولادة وطن، ومن الذين يمارسون عطاءهم، ولسانُ حالهم يردد لكل المثبطّين والخانعين والمتخاذلين والمستسلمين: «أنا بقلّهم فَشَرتوا»..
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.