الأحد 14 رمضان / 19 مايو 2019
11:35 ص بتوقيت الدوحة

الثورة السورية بين الأمل والواقعية

الثورة السورية بين الأمل والواقعية
الثورة السورية بين الأمل والواقعية
كي لا نجلد أنفسنا ليل نهار. كي لا نقع فريسة الأحلام الوردية والتوقعات الكبيرة قصيرة الأجل. كي لا نعيش على وقع ردود الأفعال النفسية والعاطفية الناجمة عن طول عملية التغيير وصعوبتها. كي لا نقع في قبضة اليأس والإحباط من حجم التحديات الراهنة والقادمة. كي لا نتقلب كل يوم، مع اختلاف الوقائع، بين طرفي نقيض، فلا نقذف أنفسنا من أقصى مشاعر الأمل إلى أعلى درجات اليأس، ما بين تحرير مطارٍ هنا وانسحابٍ تكتيكي للجيش الحر هناك، وبين سقوط حاجزٍ في منطقة وأخبار مذبحةٍ جديدة يقوم بها النظام في منطقةٍ أخرى. كي لا يصبح توقّعُ الإنجازات الكبيرة دافعاً للاستعجال في العمل والقرارات، ولا يكون ظهور التحديات على حقيقتها سبباً للانسحاب والسلبية. كي نعيش لثورتنا بواقعية وفعالية وإيجابية. وأهم من هذا كله، كي نُعطي تضحيات شعبنا القيمة الحضارية الكبرى التي تستحقها. لا مفر من أن نفهم الحقيقة الكبرى الكامنة وراء هذه الملحمة البشرية التي بدأت في سوريا منذ عامين. ربما ينطبق على الثورة السورية أكثر من غيرها التحليل الذي ذكره المثقف العربي خالد الحروب حين قال: «الوصف الذي استخدمه وأراه جامعا لإجمال حالة الثورات العربية وما ثارت عليه وما قد يترتب عنها هو (النهر ضد المستنقع).. الأنظمة الحاكمة أضاعت على شعوبنا عقودا طويلة وثمينة من ناحية تاريخية من دون أن تعمل على إدراج تلك المجتمعات في شكل الدولة الدستورية والقانونية المعاصرة، بل نامت على ما هو قائم من بنيات ما قبل الدولة الحديثة. والأسوأ من ذلك أن تلك الأنظمة كانت مستبدة وتعزز استبدادها مع الزمن ما فاقم من العفن الموجود في قاع المستنقع. الثورات العربية هي النهر الذي يجرف هذه المستنقعات ويكشف العفن الراكد ويعريه تحت الشمس، وهو البداية الحقيقية وربما الوحيدة لمعالجته، ومن ذلك العفن الطائفية والقبلية والجهوية. النهر يجلب الماء الجاري الصحي، لكنه يجرف العفن المتراكم دفعة واحدة وهو ما نراه الآن من مشكلات وأمراض وتخوفات. كما قد يجرنا هذا النهر في بداية الأمر إلى اتجاهات ومسارات فيها مخاطر كبيرة، وهي مخاطر لا بد منها إن كنا نريد الاندراج في المستقبل والتاريخ وننقطع عن التكلس. الآن بدأنا المرحلة الثانية من الاستقلال؛ حيث تتصارع القوى الاجتماعية والسياسية والدينية داخل كل مجتمع للوصول إلى معادلة التعايش فيما بينها على قاعدة المواطنة والديمقراطية بعيدا عن أوهام استقرار المستنقع. في المرحلة الراهنة، سوف تختلف الجماعات والتيارات السياسية بشكل جذري وربما دموي، وسوف نرى كل أنواع الشعارات القصوى بما فيها الانشقاق والتجزئة أو الإقصاء، لكن في نهاية المطاف سوف تصل كل المجموعات المتصارعة إلى خلاصة لا مناص عنها وهي أنه لا بد من التعايش السلمي فيما بينها، وأفضل وسيلة للتعايش هي بناء أنظمة سياسية ومجتمعات قائمة على قاعدة المواطنة التي تساوي بين الجميع بغض النظر عن الطائفة والدين والقبيلة والمدينة. بكلمة أخرى بدأنا المسيرة الطويلة للبحث عن صيغة الاستقرار القائم على الحرية بديلا من الاستقرار القائم على الاستبداد، استقرار مع حرية الناس وليس على حسابها». فحين كسر الشعب السوري حاجز الخوف وخرج إلى الشوارع كان يعلم أنه خرج يطالب بالحرية والكرامة، وكان يعلم جيداً أنه يواجه نظاماً همجياً، وأنه سيقدم الكثير من التضحيات. لم يكن ثوار سوريا واهمين حين أطلقوا شرارة الثورة. كانوا يدركون أنهم يعيشون في ظل نظامٍ لا تمكن مقارنته من جهة الوحشية والقمع بنظامي بن علي ومبارك. كانوا يعرفون أن قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي هي لونٌ من ألوان (الترف) بالنسبة للنظام، وأن استخدامها في نظره هو مجرد مضيعةٍ للوقت لا أكثر ولا أقلّ. ورغم كل هذا، حملوا أرواحهم على أكفّهم، وخرجوا بحثاً عن كرامة لم يعد هناك طعمٌ للحياة بعيداً عنها. لكنهم لم يكونوا يعلمون، في حقيقة الأمر، أن ما يواجهونه أكبرُ كثيراً من النظام، وأنهم يبدؤون عملية تغييرٍ كبرى ستكون لها أبعادها الحضارية، وليس فقط السياسية. وأن النظر إلى نتائجها سيكون بمقياس أعمار الأمم والشعوب وليس بمقياس أعمار الأفراد. من هنا، يغدو معيباً أن نشعر بمثالية مفرطة، إذا قلنا إن ثمة احتمالاً بأن ما يزرعه جيلُ الثورة السورية اليوم سيجني ثماره الحقيقية أبناؤهم. قد يدّعي البعض أنهم كانوا يعرفون هذه الحقيقة منذ البداية، وقد يبرر آخرون رفضهم للثورة أو عدم تأييدها بهذا المبرر، لكن مثل هذه التحولات التاريخية لا تأتي محسوبةً بمعادلات رياضية ودراسات هندسية تقوم بها الشعوب. والاعترافُ بعفوية ما جرى لدى الغالبية العظمى من الشعب السوري الثائر ليس مدعاةً للندم أو الاعتذار أو التراجع. بل إن هناك دلائل بأن هذا الشعب كان يشعر في أعماقه بأنه يُقدم على أمرٍ يتجاوز حسابات جيلٍ واحد. لا غرابةً إذاً حين يقول أحد الشباب من ثوار دمشق: «لقد ورثتُ هذا الواقع عن آبائي ولن أدعه ترِكةً لأبنائي بأي حالٍ من الأحوال». ولا غرابة أن تسمع من جيل الآباء والأجداد السوريين قولهم: «لو فعلنا ما علينا وقمنا بواجبنا في شبابنا، لما وصلنا إلى هذا اليوم».. هكذا تتكامل أفكار الأجيال بأن سوريا العقود الماضية لم تكن سوريا التي تليقُ بحضارتها وثقافتها وخبرتها عبر القرون. لكن البعض قد يشعر بالحرج لمجرد التفكير بهذه الطريقة. يخجل هؤلاء، وهم يرون الكمّ الهائل من تضحيات مواطنيهم، من الحديث عن إمكانية التأخير في كل ما يتعلق بأهداف الثورة: من سقوط النظام إلى تحقيق الديمقراطية، مروراً بتأمين الاستقرار والأمان والوحدة الوطنية، وانتهاءً بإعادة الإعمار وانطلاق عمليات التنمية الحقيقية. ما من شكٍّ أن هذا الحرج مشروعٌ في أبعاده الإنسانية المباشرة. لكن الواقعية تُعيدنا إلى المعنى الحقيقي الذي تحدثنا عنه للثورة السورية: نهراً يجرف المستنقعات ويكشف العفن الراكد ويعريه تحت الشمس، وهو ما نراه الآن من مشكلات وأمراض وتخوفات، لكنها البداية الحقيقية وربما الوحيدة للعلاج والولادة الجديدة. نهراً قد يجرنا في بداية الأمر إلى اتجاهات ومسارات فيها مخاطر كبيرة، لكنها مخاطر لا بد منها إذا أراد السوريون إعادة تعريف أنفسهم وتعريف وطنهم، والعودة إلى دخول التاريخ من أوسع أبوابه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.