الجمعة 21 ذو الحجة / 23 أغسطس 2019
05:43 ص بتوقيت الدوحة

بحثاً عن الإسلام الحضاري في سوريا (1)

بحثاً عن الإسلام الحضاري في سوريا   (1)
بحثاً عن الإسلام الحضاري في سوريا (1)
تسري في سوريا اليوم يقظةُ إسلامية كبرى، وهي ظاهرةٌ إيجابيةٌ مباركةٌ في مجملها، تدل على وعي شرائح كبرى من السوريين، وإفاقة المجتمع من غفلته، وإحساسه بذاته الحضارية، واعتزازه بدينه، وسعيه للخروج من التخلف، والتحرر من التبعية الفكرية والحياتية. وعلى إدراكهم بأن الإسلام ثورةٌ على معاني الجمود والاستنقاع والتقليد، وسبيلٌ لكسر قيود الذل والهوان، وطريقٌ لبناء مجتمع الحرية والكرامة. تأتي هذه اليقظة وليدة عوامل عديدة تتعلق بما تعلّمه الشعب السوري من دروسٍ في ثورته. وهي قبل ذلك تعبيرٌ عفوي فطري أصيل يدل على رغبة الشعب في العودة إلى جوهر ثقافته، وبرهان ساطع على أن هذا الدين محفوظ برعاية الله، وعلى أنه مغروسٌ في أعماق الفطرة الإنسانية دافعاً للحياة ومحركاً لإقامة الدول والحضارات. وحتى تكتمل الصورة، فإنه لا بد من التأكيد على أن هذه اليقظة تأتي محفوفة بكثير من المشكلات التي قد تؤذيها، وتعرقل حركتها. وذلك حين تراها تنقسم فرقاً وشيعاً. يخالف بعضُها الآخر، وربما يعاديه، ويكيد له. فتنشأ الفتن، وتكثر العداوات، وتشيع الفرقة، حتى بات بعض الناس يرى أن الخلاف بين هذه التشكيلات حقيقةٌ صارخة، ومرضٌ مزمنٌ، وداءٌ عضالٌ، لا يكاد ينجو منه إلا مَنْ رَحِمَ ربي. يضاف إلى ذلك أن بعض الجهود المخلصة ينقصها الصواب، فتُنفَق حيث لا تدعو الحاجة، وربما اختارت المفضول الممنوع مع وجود الأفضل المتاح، بل ربما أنفقت فيما يضرُّ ويؤذي. يضاف إلى ذلك أيضاً أن كثيراً من العاملين تغلب عليهم البساطة والطيبة، اللتان تصلان أحياناً إلى درجة الغفلة. الأمر الذي يسهِّل اختراقهم وتوريطهم من قبل أصحاب النيات السيئة والأجندات المشبوهة. فيدفعونهم إلى ممارساتٍ غير محسوبة، ومغامرات مهلكة، تؤذيهم وتؤذي البلاد والعباد، وُتكرِّه الناس فيهم، بل ربما كرَّهتهم بالإسلام نفسه، وخوَّفتهم منه. ولعل أكبر ميدان يمكن أن تظهر فيه المشكلة هو الميدان السياسي والعسكري، فقد كانت لهم في هذا الميدان جهود وتضحيات، لكن المحظور أن يكونوا هم أول الضحايا، بعد أن يكونوا قد دفعوا ثمناً فادحاً، كما دفعت البلاد والعباد ثمناً باهظاً أيضاً، وهو الأخطر والأفظع. ولا ريب أن مثل هذه الظاهرة لا يمكن أن تُعْزَى إلى سببٍ وحيد، فلا بد من إرجاعها إلى مجموعة معقدة متداخلة من الأسباب المختلفة، منها المباشر ومنها غير المباشر، ومنها السذاجة والغفلة، ومنها العجلة والارتجال، ومنها سهولة الاختراق والتوريط، ومنها الجهل بسنن الله وقوانينه، ومنها المطامع والأهواء التي تلبس لبوساً دينياً وأصحابُها طلاب مغانم ورئاسة وثارات، ومنها ما يتعلق بقدرة الناس على الفهم والاستيعاب، ومنها ما يتعلق بطبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، وهي مرحلة خطرة حرجة لها مضاعفاتها وانعكاساتها السلبية على شتى المجالات. وإذا كان الأمر كذلك من حيث تشخيص هذه الظاهرة الخطيرة، وجب علينا أن نقرر بأن العلاج لا يمكن أن يكون بتقديم حلٍّ وحيد، بل لا بد من مجموعة متكاملة من الحلول التي يسند بعضها بعضاً، ويقوِّي كلٌّ منها أخاه. ولعل الحل الذي ينال المرتبة الأولى من بين هذه الحلول، ويجعل له أهمية خاصة، هو تصحيح القواعد العامة للعاملين من الإسلاميين في سوريا. ذلك أن القواعد تحكم إلى حد كبير التصورَ العام للإنسان، وطرائق المحاكمة والتفكير عنده، وأسباب العمل والممارسة فيما يفعل. ومن المعروف والبدهي بين الناس أن التصور الخاطئ يقود إلى سلوك خاطئ، وأن التصور الصحيح يقود إلى سلوك صحيح. وابتداءً فإنه ليس من أحدٍ يدعي أن مجرد تصحيح القواعد سوف يقضي على هذه الظاهرة، ولكن يمكن القول: إنه سوف يخفف منها إلى حد كبير. إن هذه اليقظة في حاجةٍ ماسةٍ إلى تسديدٍ، وتقويٍم، ونصحٍ ومراجعةٍ، لكونها عملاً بشرياً فيه الصواب، وفيه الخطأ. وإذا كانت هذه اليقظة مهددة من خارجها، فإنها مهددة من داخلها أيضاً، وقد يكون التهديد الداخلي أخطر من التهديد الخارجي، وأشد فتكاً. وإذا كان التهديد الخارجي يأتي من المتربصين بالخط الإسلامي بشتى أنواعهم، كيداً منهم أو جهلاً، فإن التهديد الداخلي يأتي من داخل أهل اليقظة نفسها، من فهٍم خاطئ، أو حماسٍ غير مدروس، أو نزعةٍ نفسيةٍ مشوهة، أو عجلةٍ لا تتفق مع طبائع الأشياء، أو مثاليةٍ لا تدرك مقتضيات الواقعية، وما إلى ذلك. ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعداد ميثاق شرف يُقدَّم إلى العاملين للإسلام في سوريا، يتناول القواعد الأساسية التي يمكن أن تستوعبهم جميعاً، أو تستوعب أكبر عدد منهم. ويرسم هذا الميثاق أبعادَ قاعدة عريضةٍ مشتركةٍ تتسع لجميع العقلاء والغيورين، وتسمح بمقدارٍ من التنوع ضمن الإطار المشترك، لأن الناس لا يمكن أن يكونوا نسخاً متكررة متشابهة في كل شيء، وهو ما يمكن أن يطلق عليه شعار "التنوع ضمن إطار الوحدة". ومن أهداف مثل هذا الميثاق إشاعة روح المحبة والثقة بين العاملين، والتقريب بينهم نفسياً وعملياً، وتقليل مساحة الخلاف والخطأ، وزيادة مساحة الوفاق والصواب، وتشجيع روح النقد البناء، وتوسيع آفاق النظر والتفكير، واستشراف آفاق الابتكار والتجديد، والتعاون في المتفق عليه، والتغافر في المختلف فيه، وتكامل الأدوار، والخروج من دائرة العطالة إلى دائرة الفاعلية. والواجب أن يطمح مثل هذا الميثاق إلى أن يكون "ورقة عمل" مستمدة من أصول الإسلام ومقاصده الكبرى، بعيداً عن الإفراط والتفريط، ممثلاً للوسطية والاعتدال، لا يحمل صبغة حزب معين، أو تكتل خاص، أو جماعة محددة، أو مدرسة دعوية، أو اجتهاد فقهي، أو ولاء إقليمي، ولا يروج لواحدة من هذه الجهات ولا ينتقص من سواها. كما يجب أن يطمح لأن يكون دستوراً فكرياً أخلاقياً تربوياً عملياً للدعاة، وحلف فضولٍ يعتمدونه ويقرونه، وإضافة نوعية لا نمطية تأخذ مكانها إلى جوانب مثيلاتها من الإضافات الجادة. فما ملامح هذا الميثاق؟ هذا ما سيكون موضوع مقال قادمٍ، وربما أكثر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.