الإثنين 15 رمضان / 20 مايو 2019
12:18 م بتوقيت الدوحة

خمسون يوماً من الحراك الشعبي العراقي

محمد البرزنجي

الأربعاء، 13 فبراير 2013
خمسون يوماً من الحراك الشعبي العراقي
خمسون يوماً من الحراك الشعبي العراقي
ست محافظات من بينها دار السلام بغداد تنتفض وتنفض عن كاهلها غبار عشر عجاف بعد عجز الساسة واختلاف الرموز، ولقد فاجأ قدر الله الجميع بخروج الحشود الشعبية الغاضبة، مزيج من (شيوخ العلم وشيوخ العشائر والشباب الثائر) وفي المقابل حاكم مستبد جمع السلطات في قبضته يماطل ويراوغ ويسوف أحيانا أو يزبد ويرعد أحيانا أخرى، وعاد الاغتيال السياسي والموت تحت التعذيب ونشطت على جناح السرعة ميليشيات القتل والرعب وهي تعلن على الملأ أنها ستذبح السنة، فما هو حصاد خمسين يوما مشهودا من أيام المحافظات العراقية الست التي أزاحت بالأمس القريب عن كاهل العراق احتلال أعتى قوة استعمارية مجهزة بأدق تقنية علمية وأحدث صناعية عسكرية، فكان جزاءها أن زج بأبنائها في غياهب السجون؟ وإذا كان فرعون قد قتل الولدان واستبقى النساء فحملة التصفية الطائفية اليوم لا تستبقي ذكرا ولا أنثى. قبل ذكر الجوانب الإيجابية للحراك نود أن نقول: إن الله سبحانه لم يخلق الكون هملا كي يسلمه لقيصر كما قال بعض فلاسفة اليونان قديما، ولم يسلمه للقوى الكبرى كما يتصور اليوم المترفون المتخمون من سماسرة الحرب والمال، بل سبحانه يكيد لعباده المظلومين ويحيطهم برعايته ويضل كيد الظالمين الخائنين ويقصم فقار ظهورهم، وهو سبحانه يدير شؤون الكون والعباد كل يوم وصدق الله (كل يوم هو في شأن) وصدق سبحانه (إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا) والله سبحانه قدر لهذه الجموع الغاضبة المظلومة المنتفضة أن تخرج دفعا لظلم الظالمين، وصدق الله (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) أما حصاد الحراك الشعبي العراقي السني بامتياز ففيه أمور إيجابية تبشر بخير، وفيه أمور ضبابية كثغرات في جسم قوي إن تركت بلا دواء وعلاج ورتق زاد الخرق واتسع الفتق ولا بد للحكماء من وقفات متأنية. الأمر الإيجابي الأول أن التنسيقيات بكل رموزها قد أثبتت جدارة في الإدارة والأداء، وتجردت من كل الانتماءات الضيقة وزادت يوما بعد يوم من تنسيقها الجيد بين المحافظات، فحافظت بتوفيق الله على ديمومة الحراك وسلميته وعدم الانجرار وراء الاستفزاز اليومي المستمر، ومن إيجابيات الحراك أن الله سبحانه قد جمع بالحراك المفاجئ الفرقاء المختلفين في ساحات العزة والكرامة وميز الناس بين أصناف الساسة الذين انتخبوهم كي يدافعوا عن قضاياهم في المحافل، فمنهم من باع جماهير المنتخبين بثمن بخس دراهم معدودة، ومنهم من نافح ودافع وضحى بأهله ومنصبه من أجل مصلحة العراق والعراقيين، فالذين شاركوا في العملية السياسية ليسوا سواء ناهيك عن مسألة مجانبتهم للصواب في المشاركة السياسية أم لا فتلك مسألة أخرى، وكذلك أظهر الله بالحراك رموز أهل العلم الأجلاء وشيوخ العشائر الغُيُر بعد أن ظن الكثيرون غروبهم من أفق الساحة، وهذا إنجاز ثالث، وأما الرابع من إيجابيات الحراك فهو أن صوت المظلومية وصل إلى العالم الذي وضع أصابعه في آذانه كي لا يسمع صرخات المعذبين والمذبوحين والحرائر المعتقلات، ولا يسمع أصوات ضحايا المجازر الجماعية لا في العقود الغابرة كحماة وصبرا وشاتيلا وحلبجة وسربرينتشا ولا في العقد الحالي في روهينجا والشام والعراق وفي أكناف بيت المقدس، ولكن الله الذي سمع قول امرأة صحابية من أسرة فقيرة وهي تجادل زوجها وسجلها شهادة تقرأ إلى يوم الدين فإنه سبحانه من عليائه يسمع ويرى ما حل بالشعوب المقهورة، ولكل شعب مظلوم ساعة خلاص ولكل ظالم مصرع في الورى كما حل بحسني والقذافي، ومن خامس إيجابيات الحراك وإنجازاته أن الجماهير المظلومة قد شعرت بأن الله سبحانه قد أعطاها عزيمة وإرادة وشجاعة كي تسمو على الجروح والقروح والآلام طمعا في مستقبل مشرق للأجيال الجديدة، والعراق بلد الخيرات لا يستحق أن يبقى طويلا تحت نير الظلم والظلمات وانتهاك الحرمات ونهب الثروات وقتل الطاقات والعراق أرض السوادين (سواد النفط تحت الأرض وسواد الزرع فوق الأرض) لا ينبغي لشعبه أن يستجدي الغرب عملة أو تأشيرة أو ذخيرة أو ميرة، والسادس من إيجابيات الحراك كذلك أن جماهيره صمدت في رفعها لشعار مظلومية أهل السنة والجماعة التي كانت بمثابة كلمة السر التي جمعت الحشود وألفت بين القلوب رغم الإرهاب الإعلامي المستمر لتخويف شطر الشعب العراقي من الانتماء والاعتزاز بهويته السنية بتهمة الطائفية، سابعا من إيجابيات الحراك الشعبي الحالي أنه نبه الساسة والقادة إلى أمر غاب عن ذهن الكثيرين منهم؛ فقد رأى التركمان وعرب كركوك بأم أعينهم كيف أنهم يخرجون مطمئنين في الأماكن التي يتواجد فيها قوات البيشرمكة الكردية العسكرية النظامية التي تسهر على حماية مظاهراتهم وصلاتهم الجماعية كما في داخل كركوك، بينما بمجرد الخروج من كركوك عند مضارب عشائر العبيدات العربية العريقة في الحويجة حيث غياب البيشمركة وتواجد قيادة عمليات دجلة فالجماهير تمنع والطرق تقطع والشباب يعتقل، وذلك أمر نبه جميع الأطراف (الكرد والعرب والتركمان) إلى أمور عدة، منها أن عوامل عدة تجمعهم، فبالإضافة إلى كونهم جميعا عراقيين ومسلمين فهم سنة كذلك، وذلك عامل آخر يجمع بينهم ويدفعهم نحو التفاهم والتصالح، ثم إن مدينة كركوك مدينة السلام عاش فيها الجميع (مسلمون ونصارى عرب وكرد وتركمان) قرونا مديدة على مبدأ التعايش والحياة المشتركة بحلوها ومرها، فلا سبيل للحل إلا بالجلوس إلى مائدة مستديرة وطرح المشاكل بكل صراحة وتقبل الآراء برحابة صدر والسعي لحلها بعزيمة صادقة. وأخيرا وليس آخراً من إنجازات الحراك أن الجماهير المليونية قد أثبتت لجميع أطياف الشعب العراقي أنها لم تخرج استعداء على طائفة الشيعة، وإنما خرجت دفاعا عن الحقوق المغتصبة والمكفولة في جميع الدساتير والشرائع، وأن مبدأ التعايش الذي كان سائدا لقرون هو الحل وليس التهميش والإقصاء والتهجير وتغيير مناهج التربية والتعليم وغير ذلك كثير. هذا بإيجاز فيما يتعلق بالجوانب الإيجابية للحراك السني العراقي، أما السلبيات والمعوقات والثغرات في جسم الحراك فذلك أمر طبيعي يرافق كل عمل بشري، وسنتحدث عنها في مناسبة أخرى بإذن الله.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.