الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
01:29 م بتوقيت الدوحة

مرةً أخرى.. ماذا عن (ثورةٍ) فكرية؟

مرةً أخرى.. ماذا عن (ثورةٍ) فكرية؟
مرةً أخرى.. ماذا عن (ثورةٍ) فكرية؟
هذا موضوعٌ نستميح القارئ أن نستعيد ما قلناه فيه سابقاً. فكثيرٌ من معطيات الثورة السورية توحي بضرورة الحفاظ على ملفه مفتوحاً على الدوام. يخطئ من يظن أن الحديث عن الفكر هو نوعٌ من الترف في الظرف الراهن. يخطئ من يرفض الاعتراف بأن (أصل) كل مشكلة كان يكمن في الفكر، وأن الفكر هو نفسه مكمن الحلّ لجميع المشكلات. يظلم نفسه وشعبه وأمته وبلاده كل من ينكر أننا وصلنا إلى هذا الواقع بسبب الفكر، وأن التعامل مع الواقع المذكور بطريقة سليمة تحقق أحلام الشعوب لا يمكن أن يحصل إلا من خلال الفكر. يخطئ من يعتقد أن التركيز يجب أن يكون الآن (فقط) على المشاريع العسكرية والإغاثية والسياسية، لأن هذه المشاريع نفسها تعتمد على أرضيةٍ فكريةٍ ما، وسيكون مستوى هذا الفكر مفرق الطريق في نجاحها أو فشلها. ثمة مقولةٌ مشهورة تؤكد أن مراحل ما بعد الثورة هي أصعب بكثير من الثورة نفسها. يؤكد التاريخُ هذه المقولة، ويؤكدها بشدة الواقع الراهن. لننظر بكل شفافية إلى ما جرى ويجري في كل بقاع الثورة في الوطن العربي وسنرى مصداق المقولة المذكورة، وكيف تفرض نفسها في كل مجال وعلى أكثر من مستوى. ومن المؤكد أن الوضع في سوريا يندرج في هذا الإطار. مرةً أخرى، لنخرج من حصار الثنائيات الخانق. فمن يعمل للثورة يعمل لها دون أن ينتظر رأياً في مقال أو تصريحاً في منبرٍ إعلامي. والحديث عن ثورة فكرية هو حديثٌ الآن فيما يمكن أن يسمى (تجاوزاً) بالفريضة الغائبة. سيما وأن الانشغال الكاسح بالشأنين السياسي والعسكري هو سمة الواقع السوري الراهن. وستنتج عن هذا الانشغال مفارقة تاريخية خطيرة، حيث نزهد كسوريين عن الشأن الفكري في الوقت الذي نكون في أمسّ الحاجة إليه. سيمثل هذا تحدياً كبيراً من جانب، لكنه سيكون فرصةً من جانبٍ آخر لمن وضع نفسه على هذه الثغرة وأمضى فيها حياته، أفراداً كان هؤلاء أو مؤسسات. فبينما الملايين مشغولون بمراقبة ما جرى ويجري وسيجري، أو بالانخراط العفوي فيه سياسياً أو عسكرياً أو إغاثياً، يجب على شريحةٍ من السوريين أن تسخّر كل طاقاتها لنعرف من خلال جهدها ماذا جرى وماذا يجري وماذا سيجري، بدرجةٍ عالية من الدقة البحثية والمنهجية التي تليق بالظرف الذي نعيشه جميعاً. لا يجوز أن نتعامل بعفوية مع النقلة التاريخية الخطيرة التي مرّت وتمر بها سوريا منذ عامين دون أن يتنبأ بها أحد. كيف جرى ما جرى ولماذا؟ وإلى أين نسير من هنا؟ وماذا يحمل لنا المستقبل؟ وما خياراتنا؟ وكيف يمكن صياغتها؟ وكيف يمكن تجاوز أخطاء الماضي وخطاياه الكبيرة؟ وأين تكمن التحديات الحقيقية؟ وما ملامح المستقبل؟ وكيف نصنعه بأيدينا؟ أسئلةٌ ستتولد عنها أسئلةٌ أكثر مما نتصور، وكلها يحتاج إلى إجابات علمية منهجية مدروسة. لا ينفعنا في شيء أن نتوقع الحصول على إجابات من خلال أعمدةٍ ومقالات رأي، أو مقابلات عابرة وسريعة في منابر الإعلام الجماهيري. فلكل ساحةٍ في الحياة البشرية طبيعتها الخاصة ودورها المحدد، والساحة المذكورة مُشبعةٌ الآن بكل ما يمكن توقعه من رؤى وطروحات تلهث وهي تحاول أن تلاحق اللحظة الراهنة، ويهدف كل منها لتحقيق هدفٍ عاجل، وهي أهدافٌ قد يكون بعضها متضارباً إلى حد كبير.. وهذه عمليةٌ يمكن أن تزرع الفوضى وتشتت التفكير وتملأ رؤوسنا بأسئلةٍ ليس لها إجابات، وأوهامٍ ليس لها رصيد، وحيرةٍ ليس منها مخرج. لابد إذاً، للبعض على الأقل، أن يباشر بجدّيةٍ العمل في ساحةٍ أخرى. ساحة الفكر والدراسة والتحليل العلمي المنهجي الأكاديمي. جاء أوان علماء الاجتماع والسياسة والتربية والاقتصاد ودقّت ساعة العمل بالنسبة إليهم. لا عذر لهؤلاء بعد اليوم. فالواقع الراهن يفرض على الجميع المبادرة بالعمل والعطاء والإنتاج. نحتاج اليوم إلى أجندات بحثية جديدة، نحتاج إلى عملٍ مؤسسي علميٍ منظّم فعال يُلهم حركة الواقع ويجيب عن أسئلته الأساسية ويرسم ملامح الممارسات العملية فيه، ويعمل على ترشيد مسيرة ورؤية العاملين على مختلف المستويات. وما أكثر المواضيع التي تحتاج إلى بحثٍ ودراسةٍ بروح المجاهد الرابض على الثغور، لا بروح المنظّر البارد الذي يسكن في الأبراج العاجية. فكل المشاريع والرؤى السياسية بحاجةٍ إلى رؤيةٍ تخصصيةٍ شمولية ترفد حركة ناشطين وعاملين في مجال السياسة خرجوا حديثاً من أسر عقود طويلة من التصحّر والتهميش والكبت. ليتكامل العلم مع العمل، والممارسة مع النظر، والخبرة مع الدراسة. وتشكيلُ الهوية القادمة لسوريا مهمةٌ حساسة تمثل تحدياً من أكبر التحديات. فيها العلاقة بين الدين والسياسة، والعلاقة بين شركاء الوطن، فضلاً عن جملةٍ من المراجعات داخل الفكر الإسلامي نفسه. فالمكون الإسلامي سيبقى عنصراً أساسياً في عملية صياغة الهوية وصناعة الواقع في المرحلة القادمة، لكن تعدد التوجهات والتيارات في سوريا سيفرض عملية تدافع ثقافي وعملي ضخمة تتعلق بماهية وطبيعة وملامح (الإسلام) الذي ستقبله الجماهير. ليس من العبث أو المصادفة أن (الجُمع) و (الجوامع) كانت ولا تزال عنصراً أساسياً مشتركاً في جميع الثورات العربية، وفي مقدمتها الثورة السورية. لا يعني هذا أبداً أن (المتدينين) أشعلوا الثورة، فالواقع يرفض هذا المنطق بكل بساطة، كما أن الحديث عن العنصر المذكور لا يتناقض بالضرورة مع الطبيعة (المدنية) للثورة وللنظام السياسي الذي تهدف إلى الوصول إليه، لكنه يعني أن ثمة علاقةً متجذرة بين الدين والحياة بكل أشكالها لا يمكن الهروب منها. وهي علاقةٌ لا ينبغي فقط دراسة طبيعتها، وإنما توظيفها بشكلٍ ثوري للمساهمة في خلق واقعٍ جديد أفضل في جميع المجالات. لا غرابة إذاً أن يتساءل المرء عن كيفية إنجاز كل هذه المهمات في غياب ثورةٍ فكرية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.