الأحد 17 رجب / 24 مارس 2019
06:01 م بتوقيت الدوحة

حكاية «الزير»!

حكاية «الزير»!
حكاية «الزير»!
لنفترض أن دخلك الشهري 10 آلاف دولار.. هذا دخل شهري ممتاز بالمقاييس الاقتصادية الحالية.. يوفر لك حياة مريحة ومرفهة.. يلغي من قاموسك مفهوم الحاجة للآخرين.. أنت هنا لا بد أن تخرج طواعية من نادي ذوي الدخل المحدود.. دخلك هنا غير محدود أخي الكريم! تمهل قليلاً.. ما الحل والحيلة حينما تكتشف أن %60 من دخلك هذا يذهب لرواتب الخدم والسائقين؟! مؤكد أن لديك خللا ما، يستوجب المعالجة.. أقرب الاحتمالات أن عدد الخدم يفوق حاجتك.. وبالتالي وجودهم كعدمه، بل إن وجودهم بهذه الكثرة سيقلل من فاعليتهم، بل وربما يسبب لك الضرر أكثر من النفع. دعونا نوسّع العدسة قليلاً.. تعالوا نسقط المثال على الدولة.. لنفترض أن موازنة الدولة خمسمئة مليار ريال.. هذه دولة ذات قوة اقتصادية ضاربة.. مؤكد أنها قبلة الباحثين عن الحياة في هذا الزمن.. تمهل مرة أخرى.. ما العمل حينما تكشف الأرقام أن %50 من هذه الموازنة يذهب لبند الرواتب والنفقات الإدارية؟! هذا واقع وليس خيالا بالمناسبة.. النسبة الكبرى من موازنات الدول الخليجية تذهب للرواتب.. الصورة تبدو واضحة في أغلب دول الخليج.. في الحالة السعودية تتضح الصورة تماماً.. هذا أمر يغيب عن البال دوماً.. المشكلة أن المسألة لا تتعلق بالقوى العاملة.. كل ما هنالك هو بطالة مقنّعة».. ترهل إداري ضخم.. عدد هائل من الموظفين لا يقدمون عملاً.. وجودهم كعدمه، بل إن وجودهم ربما عرقل العمل -تماما كما يحدث في الحالة الفردية التي أشرت إليها قبل قليل- في بعض القطاعات أصبحوا عبئا على ماكينة العمل اليومي.. بمعنى آخر: عشرة أشخاص يؤدون عملاً يقوم به شخصان! الحكاية التالية أقرب توصيف للحالة التي تمر بها المؤسسة الرسمية في أغلب دول الخليج العربي؛ إذ يحكى أن أحد الولاة مر قديما مع مرافقيه بمنطقة قاحلة يعبرها الناس أثناء سفرهم، فأصدر أوامره العاجلة بأن يوضع (زير) صغير، للماء وسط هذه الطريق -والزير أو «الجحلة» كما يطلق عليها في سلطنة عمان وبعض مناطق الخليج، وعاء مخروطي الشكل، تتم صناعته من الفخار، ويحفظ الماء ببرودة معتدلة، ويمنحه نكهة لذيذة- نعود لحكايتنا.. أصدر الوالي أوامره بوضع الزير في تلك المنطقة القاحلة، بحيث يتم ملؤه بالماء كلما فرغ، إما من حاشيته أو من فاعلي الخير أو حتى من العابرين؛ ليشرب منه الناس.. غير أن وزيرا في حكومة الوالي رأى -وما أكثر ما يرى هؤلاء الوزراء- أن يتم تعيين شخص توكل له مهمة تعبئة هذا الزير بالماء، براتب شهري.. وبعد مدة رأى الوزير -ما غيره- أن هذا الساقي لا يستطيع العمل بمفرده، فأصدر أوامره بتعيين شخص آخر -من أقاربه فيما يبدو- وأيضاً براتب آخر.. ثم ما لبث أن قام -لا بارك الله فيه- بتعيين شخص آخر منسق بين الاثنين براتب ثالث، المنسّق بدوره رأى أن قيام شخصين فقط بتعبئة (الزير) لا يكفي، فاقترح تعيين «ساقي» ثالث احتياط في حال غياب أحد الساقيين وبراتب أيضاً، وهو ما اضطرهم لبناء غرفة للراحة جوار (الزير)، وبعد مدة قام نائب الوزير بتعيين شخص آخر يسانده ويتناوب معه العمل.. وبعد مدة رأى وكيل الوزير أن ترك (الزير) هكذا دون حراسة يشكل خطرا عليه فربما سقط أو سرق أو تدافعت حوله بعض البهائم وكسرته، فتفتق ذهنه أن يتم وضع حارس خاص له، وبعد مدة اشتكى الحارس أنه لا يستطيع الحراسة بمفرده، فقاموا بتعيين حارس آخر، ثم ما لبثوا أن قاموا بتعيين شخص آخر منسق بين الحارسين، المنسّق بدوره رأى أن حارسين اثنين لا يكفيان فاقترح تعيين حارس ثالث احتياط في حال غياب أحد الحارسين، وهو ما اضطرهم لبناء غرفة أخرى للراحة، وبعد مدة قاموا بتعيين شخص آخر يسانده ويتناوب معه العمل، غير أن المنسقين أرادا أن يتم تعيين منسق ثالث وكان لهما ما أرادا، وبعد مدة تم تعيين شخص مراقب عام على المجموعة، وشخص آخر احتياط له، وشخص مسؤول عن إعاشتهم وآخر عن مواصلاتهم، وموظف للبريد وموظف للاستقبالات وموظف للترتيبات وموظف للتشريفات وموظف للتنسيق بين الجميع، ما اضطرهم لبناء العديد من الغرف.. وهكذا تنامى العدد شيئاً فشيئاً.. حتى مر الوالي في العام المقبل في نفس الأرض القاحلة، ليفاجأ بمئات الموظفين وعشرات الغرف المبنية.. مدينة مصغّرة.. فسأل عنها باستغراب! فقال له الوزير: هذه هي الإدارات واللجان العاملة على مشروع (الزير) الذي أمرتم به مولاي الوالي! انتهت الحكاية، الأسبوع المقبل لنا حديث آخر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.