الخميس 12 شعبان / 18 أبريل 2019
10:04 م بتوقيت الدوحة

كيف تكون مطبّعاً؟

كيف تكون مطبّعاً؟
كيف تكون مطبّعاً؟
أثارت استضافة الحي الثقافي لأحد فناني الكيان الصهيوني لإحياء حفلين متتالين يومي الثلاثاء والأربعاء موجة احتجاج على موقع التواصل الاجتماعي تويتر وتراوحت الآراء بين رافضي قدومه لمجرد كونه إسرائيلياً والداعمين لحضوره باعتباره مسانداً للسلام مع الفلسطينيين. دفعني هذا الجدل إلى محاولة تأطير موضوع التطبيع في إطار واضح بحيث يزيل الغبش عن النقاش في المسألة. منذ مؤتمر اللاءات الثلاث في الخرطوم (لا للصلح ولا للتفاوض ولا للاعتراف) والذي عقد على إثر هزيمة 67 خرجت العديد من الدعوات لمقاطعة الكيان الصهيوني سياسياً وتبعتها دعوات لتثبيت هذه المقاطعة السياسية من خلال مقاطعة شعبية ترفض التعاون مع الكيان ومؤسساته في كافة المجالات، ومع سعي الولايات المتحدة وحكومة الكيان إلى إيجاد باب للعلاقات مع الدول العربية أو بمعنى آخر تطبيع العلاقات مع الكيان ظهرت الدعوة إلى مقاومة التطبيع. ولكن ما التطبيع؟ وماذا يشمل؟ قامت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل مشكورة بنشر تعريف جامع مانع للمفهوم، تقول الحملة إن «التطبيع هو المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مصمم خصيصا للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفرادا كانوا أم مؤسسات) ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني. وأهم أشكال التطبيع هي تلك النشاطات التي تهدف إلى التعاون العلمي أو الفني أو المهني أو النسوي أو الشبابي، أو إلى إزالة الحواجز النفسية. ويستثنى من ذلك المنتديات والمحافل الدولية التي تعقد خارج الوطن العربي، كالمؤتمرات أو المهرجانات أو المعارض التي يشترك فيها إسرائيليون إلى جانب مشاركين دوليين، ولا تهدف إلى جمع الفلسطينيين أو العرب بالإسرائيليين، بالإضافة إلى المناظرات العامة. كما تستثنى من ذلك حالات الطوارئ القصوى المتعلقة بالحفاظ على الحياة البشرية، كانتشار وباء أو حدوث كارثة طبيعية أو بيئية تستوجب التعاون الفلسطيني-الإسرائيلي». بطبيعة الحال قد يختلف الكثيرون مع عناصر من التعريف السابق ولكن الفكرة الأساسية تبقى أن التطبيع هو الموافقة العملية على التعاون مع الكيان الصهيوني أو من يمثله سواء تمثيلاً مباشراً أو من خلال جنسيته أو المؤسسة التي يعمل بها. ولكن السؤال الأهم هنا هو لماذا نحارب التطبيع؟ التطبيع هو الأداة التي يطمح الإسرائيليون إلى استخدامها لإنتاج حالة من التنمل والبرود تجاه قضية الفلسطينيين الرئيسة، وجود إسرائيل بمؤسساتها وفنانيها ومثقفيها ورياضيها في محافلنا وعواصمنا هو حسب الطموح الإسرائيلي خطوة أولى نحو جيل يقبل بالتعايش مع إسرائيل وتقبل تاريخها وجرائمها باعتبارها أمرا واقعا يجب التعامل معه. يضاف إلى ذلك أن التطبيع يخلق حالة من الأمان للإسرائيلي عربياً وعالمياً فتطبيع النظام المصري السابق مع الكيان أفضى إلى تبطح السائح الإسرائيلي على الشواطئ المصرية وكأنه بين ظهراني أهله وليس في دولة خاض معها حروباً متكررة أودت بحياة الآلاف من المصريين. والتطبيع بين الأردن ومصر نتجت عنه اتفاقيات اقتصادية حتى صارت الخضر الإسرائيلية متوافرة في عمّان بأسعار تنافسية. ولكن يبقى سؤال، ماذا عن التعاون مع أولئك الإسرائيليين الذي يؤيدون الحقوق الفلسطينية؟ أولاً لا بد أن نفصل بين من يدعو إلى حل للنزاع المسلح مع الفلسطينيين يفضي إلى قيام دولة فلسطينية محدودة ومن يعترف باحتلال الصهاينة لكافة التراب الفلسطيني وينادي بإنهاء إسرائيل كدولة. النوع الثاني يكونون عادة من اليهود الذين يرفضون وجود أبناء جلدتهم في فلسطين لأسباب دينية أو من الذين انقلبوا على إسرائيل متأثرين بجرائم دولتهم ومعترفين بالتاريخ الحقيقي للمنطقة، وهؤلاء لا تنطبق عليهم أحكام المقاطعة نظراً لاعترافهم بكامل الحق الفلسطيني، وفي الغالب هؤلاء لا يحملون الجنسية الإسرائيلية، وإن حملوها فهم لا يعيشون في إسرائيل. النوع الأول، والذين يمثلهم الموسيقار الإسرائيلي الذي يستضيفه الحي الثقافي هذا الأسبوع ومرات قبل ذلك، هم الذين يدعون إلى السلام مع الفلسطينيين بقاعدة المتماثلين، أي أنهم لا يقبلون بحق العودة ولا بإعادة كامل التراب الفلسطيني إلى أهله إنما هم يحاولون تحقيق تواصل إنساني بين الطرفين سعياً لإيقاف الحرب والنزاع المسلح لا أكثر. وبناء على ما سبق فمقاومة التطبيع بشكل فعال تستلزم رفض الأعمال المشتركة ودس السم في العسل المتمثل في استقبال الإسرائيليين أياً كانت خلفيتهم الحزبية في الدولة لأنشطة ثقافية أو لحضور مؤتمرات أو ما شابه. العدو الإسرائيلي هو عدو الأمة الأول بغض النظر عما يشاع حول الخطر الأكبر لدول أخرى والتصالح معه لاعتبارات سياسية شأن الحكومات ولكننا كشعوب لا شأن لنا بأية موازنات، وعلينا الوقوف صفاً واحداً حول حقوقنا الإسلامية العربية في فلسطين، ولو قال أحدهم إن فرقة هذا الموسيقار الإسرائيلي تضم فلسطينيين، فهل سنكون أكثر إيماناً بالقضية منهم؟ أقول له نعم وإن تخلى كل الفلسطينيين عن قضيتهم فلا يغير ذلك من موقفنا ولا يهزه، منذ الطفولة شعارنا القدس عربية إسلامية وكما أنشدنا ذلك في طابور الصباح في المدارس ننشده اليوم حياً أمام كل مطبع وصهيوني وإن كان من أبناء جلدتنا.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا