السبت 16 رجب / 23 مارس 2019
05:31 م بتوقيت الدوحة

ادخلوا (أيها السوريون) من أبواب متفرقة

ادخلوا (أيها السوريون) من أبواب متفرقة
ادخلوا (أيها السوريون) من أبواب متفرقة
بعد أن أظهر السوريون قدرتهم على تقديم التضحيات، وعلى الثبات والعزيمة والإصرار في مسيرة الثورة، آن الأوان لأن تخرج من الموروث الثقافي والحضاري السوري التاريخي قدرةٌ أخرى تتمثل بحصول نقلةٍ في التخطيط للتعامل مع الواقع الراهن بدرجةٍ عالية من الإبداع والابتكار. لا يجوز أن يكون مسار الثورة السورية بعد الخطاب الأخير لرأس النظام كما كان عليه الحال قبلها، وبكل المعاني، يجب أن يكون هذا الخطاب، بدلالاته المعبّرة، نقطةً تفصل بين مرحلتين. وسواء تعلّق الأمر بالمسار السياسي أو المسار العسكري أو بطبيعة العلاقة مع النظام الدولي، لم يعد مقبولاً أن يتم التعاطي مع هذه المسائل بالطريقة السابقة. فقد أجاب الخطاب المذكور على كل الأسئلة التي كانت لا تزال مطروحةً، عند البعض على الأقل، فيما يتعلق بموقف النظام ليس فقط من الثورة، وإنما أيضاً من سوريا دولةً وشعباً. لا حاجة للدخول في التفاصيل فقد باتت معروفة، ويمكن اختصارها بأن هذا الشخص لا يرى أصلاً في البلاد وأهلها سوى (ديكور) ضروري لموقعه السياسي وما يجره من منافع معنوية ومادية، وإذا جاءت لحظةٌ فقدَ فيها هذا الديكور دوره المحدد، فلا مانع لديه من هدمه بأي طريقة، ومن هذا المنطلق، أوضح موقفه من كل ما يدخل في إطار (المبادرات) و(الحل السياسي) بشكلٍ واضح وصريح، فألغى كل التأويلات التي كانت القوى الدولية تُلمّح إليها، وألغى معها كل احتمالات قبوله بالتنحي عن السلطة بأي شكلٍ من الأشكال. هكذا، وصلنا إلى نتيجةٍ نهائية لم يعد ثمة مجالٌ للتساؤل عنها أو النقاش فيها بين السوريين: لا مجال للحل السياسي في وجود رأس النظام، نقطة. ماذا عن النظام الدولي؟ ليس مهماً الحوار فيما إذا كان النظام المذكور يعرف تلك النتيجة سابقاً أو أنه أدركها بعد الخطاب العتيد، وإنما المهم أنه أخذها، بشكلٍ مُعلن، بعين الاعتبار، كما أظهرت تصريحات الإبراهيمي وبعض الساسة في أوروبا وأميركا، بناءً على هذا، هناك اتفاقٌ الآن على أن (الأسد لن يكون جزءاً من أي مرحلة انتقالية، والحل لا يمكن أن ينتظر إلى العام 2014) كما يؤكد هؤلاء الساسة. هل يعني هذا أن النظام الدولي قرر أخيراً، أن يكون على مستوى مسؤولياته القانونية والسياسية والأخلاقية تجاه الثورة، وأن يفي بتعهداته للائتلاف الوطني السوري؟ ثمة شكٌ كبير في هذا الموضوع، والمعطيات العملية توحي بأن المماطلة لا تزال سيدة الموقف. هل يمكن تفسير هذا الواقع من مدخل أن النظام الدولي المذكور، أو أطرافه الرئيسية، تريد في الحقيقة استنزاف سوريا وإنهاكها إلى أقصى درجةٍ ممكنة؟ وأن هذا يتطلب عدم طرح حلٍ حقيقي، ثم يُنظر في كيفية التعامل مع الأمر الواقع حين تفرضه الثورة، أم أن هذا النظام محتارٌ حقيقةً فيما يتعلق بطبيعة القرار الذي يجب اتخاذه؟ واقعياً، لا يوجد فرقٌ لدى السوريين بين التفسيرين، لأن النتيجة العملية تبقى نفسها في الحالين؟ بهذه الرؤية، تُصبح الثورة وأهلها أمام خيارٍ وحيد لا يكفي التعامل معه بالشعارات والنيات الطيبة: إكمالُ مسيرة الثورة بجهد السوريين وطاقاتهم، وكما قلنا في مقامٍ آخر: لقد كان الكثيرون يستقرئون هذه الحقيقة منذ زمن، لكن حداً أدنى من الواقعية كان يفرض على السياسيين على الأقل العمل مع الأطراف الدولية، خاصةً منها تلك التي تدّعي صداقة الشعب السوري وتأييد مطالبه العادلة بكل الشرائع والقوانين الدولية، لمحاولة معرفة الدلالات العملية لتلك (الصداقة) وحدودها. أما اليوم، فإن الواقعية نفسها تفرض على السوريين إعادة حساباتهم ومعرفتهم بحقيقة الأوراق التي بأيديهم، وتجميع هذه الأوراق، وهي كثيرةٌ جداً إذا عرفنا كيف نستعملها، وصولاً إلى فرض أمرٍ واقع لا يمكن للمجتمع الدولي أن يمنع ظهوره، لا نتحدث عن مثاليات، ولا ندعو لمقاطعة الدول، وسنبقى كسوريين نشكر من يساعدنا ونحفظ جميله، لكن هذا لا يتضارب مع إيماننا بأن هناك معاني تاريخية وحضارية كبرى تكمن في قدوم الربيع العربي بشكلٍ عام، وفي ثورة الشعب السوري تحديداً. وإذا كان هناك من زمنٍ يمكن للشعوب فيه أن تصنع حاضرها ومستقبلها وتفرض إرادتها فهو هذا الزمن بأدواته الفريدة والجديدة، وشواهد التاريخ البعيد والقريب تؤكد أن إرادة القوى الكبرى ليست قدَراً إلهياً نهائياً، وأن حساباتها يمكن أن تكون خاطئةً، وأن سنن التغيير والضعف والقوة تسري عليها كما تسري على غيرها، ثمة حِكَمٌ كثيرة تكمن وراء ما جرى ويجري في العامين الأخيرين، وقد يكون هذا بعض ما يتكشّف لنا من تلك الحكم، وإذا كنا مؤمنين بالله وبقضيتنا، كما هو حال الشعب السوري، فليس كثيراً أن نكون أداةً لحصول تغييرات كبرى رغم كل التحديات الحالية. من الضرورة بمكان الخروج، في هذه المرحلة من عمر الثورة، من بعض الأشكال التقليدية للعمل والحركة في خدمتها، ومن الواضح أننا بحاجة لكسر جملةٍ من الأغلال والقيود الوهمية التي تقيّد حراكها، ولرؤية الفسحة الموجودة في الوسائل والأساليب والمداخل لإيصالها إلى نصرها المُنتظر، نحن باختصار بحاجةٍ لأن نفقه دعوة (يعقوب) عليه السلام، ولأن ندرك طبيعة ومداخل تلك (الأبواب المتفرقة) التي لا يمكن قضاء الحاجة وتغيير الواقع إلا بالدخول منها جميعاً.. وتلك حكمةٌ تليق بالسوريين وثورتهم وتاريخهم المعروف.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.