الجمعة 21 ذو الحجة / 23 أغسطس 2019
11:17 م بتوقيت الدوحة

ثوب وشماغ وعقال!

ثوب وشماغ وعقال!
ثوب وشماغ وعقال!
الموروث الشعبي هو البصمة التي تميز المجتمعات عن بعضها، ويأتي في مقدمتها اللباس أو الزي الذي يميز شعبا دون آخر، ويحمل دلالاته الخاصة به. عطفا على ذلك ذهبت كثيرا لتفنيد الرأي الذي ينسب «الشماغ» للموروث البشري في هذه البقعة من العالم، حتى أولئك الذين يجادلون فيه -مع بالغ تقديري لهم- وأصبحوا يعتبرونه رمزا للهوية الوطنية، لن يستطيعوا إثبات ذلك. قبل سنتين سألت صحيفة «عكاظ» السعودية الأستاذ عبدالرحمن الرويشد -مؤرخ الأسرة السعودية- سؤالا كان نصه: «ما رأيكم فيما قاله الكاتب صالح الشيحي في معلومة (الشماغ) بتصميمه الحالي وخطوطه المتقاطعة وخلاياه ولونه الأبيض والأحمر، التي لم تكن معروفة لدى أهل الخليج، وأنه جاء إلى منطقة الخليج عن طريق البعثات الإنجليزية مطلع القرن الماضي، إذ كان يرتديه الجيش الإنجليزي في الخليج آنذاك ليقيهم حرارة المنطقة وبرودتها، وبالتالي راق الأمر لأجدادنا فاتخذوه لباسا رسميا؟». الصحيفة لخصت وجهة نظري حيال الأمر.. فأجاب الأستاذ الرويشد قائلا: «تداخلت معه حينها ردا على هذا الطرح مؤكدا أن (الغترة) أو (الشماغ) لباس وطني، بغض النظر عن نوع القماش المستخدم، إذ إن الغترة زي لا صلة له بنوع القماش، ومعناه غطاء الرأس. والغترة لفظة عربية، تقال للنسيج الذي يغطي الرأس وكلمة (غطرة) محرفة، أو هي كلمة هندية معربة. وقبل أن تعرف الغترة بشكلها الحالي كان العرب يلفون حول رؤوسهم قطعة قماش، وقديما كانت تسمى (ساعورة) ثم جاء الشماغ الذي هو في استخدامه غطاء للرأس وزي وطني». على أي حال ما زلت متحفظا على تأريخ الشماغ.. لكن ليس من أجل التاريخ حضرت اليوم.. أتيت لنقاش الزي الخليجي بشكل عام.. اللباس الخليجي متكلف جدا.. لا يزال أغلب سكان دول الخليج العربي يرتدون ملابس مقيدة للحركة بشكل كبير. ما زلت مثلا متحفظا على التكلف في استخدام غطاء الرأس المعروف بالشماغ أو الغترة، على اعتبار أنه عائق حقيقي للعمل والإنتاج والحركة. وإذا كان الثوب لا يعتبر لباسا مناسبا للعمل المهني، أبرزها إعاقته للحركة.. فماذا نقول عن الشماغ؟! لك أن تتخيل تفاصيل هذا اللباس القاتل والعجيب.. ثوب مغلق من الأكمام، ومغلق من الصدر حتى الرقبة.. وغطاء رأس محكم تماما، عبارة عن قطعة قماش قطنية، يتم طيها على شكل مثلث قائم الزاوية، من طبقتين، تنزل لمنتصف الظهر، يوضع تحتها قطعة قماش بيضاء بحجم جمجمة الرأس، وأعلى منها «عقال» مصنوع من شعر الماعز، يستدير فوق هذه الجمجمة التعيسة مرتين، بحيث لا يسمح هذا الغطاء للهواء أو الضوء بالدخول مطلقا! أتفهم تماما الدعوات بالحفاظ على هذا اللباس الذي يعتبره الكثيرون زيا شعبيا.. لكن ذلك ينبغي أن يكون بحدود معقولة.. يفترض الإبقاء عليه في إطار المناسبات العامة -دينية أم اجتماعية أم رسمية- عدا ذلك لا أجد مبررا مقنعا لارتدائه بصورته الحالية. زد على ذلك أن هذا الزي القاتل يحضر معنا في أعمالنا، هذا أمر لا يمكن فهمه وقبوله، المأزق الأكبر أنه انتقل بكافة تعقيداته للبيئة التعليمية، تحول طلابنا بهذه الأزياء إلى «روبوتات» آلية، بالكاد يلتفتون نحو اليمين والشمال. مازلت مقتنعا بضرورة وضع زي عملي لطلبة المدارس في دول الخليج عوضا عن الثوب والشماغ، الطلبة جميعا سواسية بنوعية اللباس، كما في الكويت أو البحرين منذ منتصف القرن الماضي وحدت أغلب دول العالم الزي المدرسي للبنين والبنات. لباس عملي مريح، لا يتمايز الطلبة سوى بالعلم.. تزال الفوارق.. يتعزز الانضباط.. نرتقي بالمظهر العام.. المدارس معامل وفصول دراسية ومختبرات وحركة.. اللباس الحالي مناسب لديوانية شعراء النبط! ترك الناس لقناعات بالية سيؤخر معالجة الظاهرة.. أحيانا يكون القرار الرسمي أكثر فاعلية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.