الأحد 14 رمضان / 19 مايو 2019
12:00 م بتوقيت الدوحة

صلاح الدين الرجل الذي نجهل!!

صلاح الدين الرجل الذي نجهل!!
صلاح الدين الرجل الذي نجهل!!
هل نعرف من هو صلاح الدين فعلاً؟ من الغريب أن هذه الشخصية على سموها وعلو منزلتها في وجدان العرب والمسلمين إلا أنها بقيت شبه أسطورية، تختفي بين طيات الحقيقة والخيال، ولكل منا تصوره الخاص عنها، مستقى من الأدبيات التي قرأها أو القصص التي سمعها، والأحلام التي رسمها في مخيلته، فنسجت من هذه الشخصية ذلك المخلص المنتظر الذي ما زلنا نضع أيدينا على ذقوننا في انتظار طويل لخروجه علينا مرة أخرى. لقد عرفنا صلاح الدين على أنه محرر بيت المقدس، ونسينا دوره الأكبر في إعادة إحياء المذهب السني في مصر والعالم العربي، فتحرير القدس كان نتيجة لإعادة الإحياء وليس العكس، ولهذا قرر الدكتور عبدالرحمن عزام في كتابه الذي عنونه: صلاح الدين، وإعادة إحياء المذهب السني (دار بلومزبري للنشر)، قرر أن يجعله ابناً مطيعاً مخلصاً لحركة إحياء المذهب السني التي كان يقودها الفقيه والمفكر العظيم الإمام الغزالي، وصديقه نظام الملك الوزير السلجوقي صاحب المدارس النظامية. كما هو من اسمها، فحركة الإحياء ليست حركة انقلابية عسكرية، ولكنها حركة علمية ذات مدى طويل جمعت بين الفكر والمال والسلطة والتخطيط لإعادة ما تم سلبه من الأمة، فكانت عبارة عن لبنات وضعها المؤسسون ثم أكمل البناء ورفع اللواء على قمته صلاح الدين، الابن البار والمخلص للحركة، وأنا أستخدم هنا نفس المصطلح الذي استخدمه المؤلف لربط صلاح الدين بأساتذته من قبله. إن المرحلة التي سبقت ظهور صلاح الدين كانت وما زالت تمثل أدنى درجات الانحطاط العسكري والفكري والسياسي للأمة، فقد تشكلت دويلات متنازعة فيما بينها، واستقل الحكام كل بمدينته وأرضه وقلعته، وكثر النزاع الطائفي في بغداد والشام، وانتشرت المذاهب الهدامة بكل أنواعها وأشكالها، فلم يعد يربط الأمة رابط، وأصبحت الطرق غير مأمونة، وأغلقت المدن أبوابها على ساكنيها، وأصبح الخليفة حبيساً في داره تحت رحمة الأمير البويهي في بغداد، وتقاتل الناس في قضايا هامشية تافهة، وانكشف ظهر المسلمين وتشرذمت الأمة، وبدأت الغزوات الصليبية، وفي هذا الجو، ولد صلاح الدين. إن المشكلة الأساسية في شخصية صلاح الدين هو أنه ولد في هذه الظروف، عندما كان الوعي الإسلامي والعربي جاهزاً لأن يصنع منه بطلاً أسطورياً ملحمياً، متناسياً أنه إنسان قبل أن يكون قائداً وفاتحاً، وأن عليه أن يصارع الظروف ويتعامل معها كأي إنسان آخر، وأن عليه أن يتخذ قرارات اختلف الكثير معها، ولكنه بالتأكيد ليس منزهاً من العيوب، وإن كان به الكثير من الصفات الكريمة والسامية التي جعلته يصل إلى ما وصل إليه، وأن يحقق ما كان يصبو إليه. لقد نجح الدكتور عبد الرحمن عزام في أن يقودنا في كتابه هذا خلال حياة الناصر صلاح الدين الإنسان والقائد والفاتح، بعيداً عن المبالغات التي وردت في كتب أخرى، فبحكم دراسته الغربية وثقافته العربية استطاع أن يطلع على المصادر التي كتبت عن صلاح الدين من الجانبين، وأن يفرز منها الأساطير والزوائد، وأن يقدم لنا هذه السيرة بشكل عقلاني مقبول، وجعلنا بكل سلاسة نطلع على البيئة التي تربى فيها، والظروف التي تعامل معها، والتأثيرات التي أثرت في مسيرته منذ أن كان طفلاً وحتى وفاته يوم الرابع من مارس 1193، حين رحل عن الدنيا وهو في الخامسة والخمسين من عمره، بعد أن استمع إلى الإمام وهو يقرأ القرآن حتى وصل إلى الآية: «هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ». حين علت وجهه ابتسامة وهمهم قائلاً «حقاً» وانتقلت روحه إلى بارئها. لقد رحل السلطان الناصر صلاح الدين مفلساً، فكما قال ابن شداد، لم يترك السلطان خلفه بيتاً ولا ضيعة ولا بستاناً ولا قرية ولا ممتلكات من أي نوع، ولم يكن هناك من المال ما يكفي لدفع تكاليف جنازته، ولم يكن هناك حتى ما يكفي لشراء التبن الذي يلت به الطين في مقبرته. وكانت آخر وصية لابنه الظاهر قبل أن يغادره في إحدى ليالي رمضان، بعد أن مسح بيده وجه ولده قال له: «أوصيك بتقوى الله تعالى، فإنها رأس كل خير، وآمرك بما أمرك الله به، فإنه سبب نجاتك، واحذر من الدماء والدخول فيها والتقلد لها، فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم، فأنت أميني، وأمين الله عليهم، وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب الدولة وأكابرها فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس، ولا تحقد على أحد، فإن الموت لا يبقي أحداً، واحذر ما بينك وبين الناس، فإنه لا يغفر إلا برضاهم، وما بينك وبين الله يغفره الله بتوبك إليه، فإنه كريم. وبقي قبر الناصر صلاح الدين منسياً في دمشق، حتى زيارة القيصر وليم الثاني خليفة فريدريك بربروسا إلى هذا الضريح الصغير شبه الخفي في حديقة صغيرة، تغطيه قبة مضلعة حمراء، وكان مهملاً لدرجة أن القيصر، وقد أثر فيه المشهد أمر بتجديد الضريح على نفقته الخاصة، ووضع شعاره على مصباح معلق على القبر، ثم يتساءل المؤلف صادقاً، إذا كان صلاح الدين بطلاً على هذا القدر من العظمة، فلماذا كان قبره متهدماً على هذا النحو؟ لم يكن قبر صلاح الدين الذي أهمل فقط، ولكن كل أولئك الرجال العظام الذين كانوا حوله كبَرَاء الدين بن شداد قاضي جيش صلاح، وعماد الدين الأصفهاني كاتب سيرة صلاح الدين، والقاضي الفاضل أقرب مستشاري صلاح الدين وكبير كتاب ديوانه. عندما تطوي آخر صفحة من الكتاب ستشعر أنك طويت تاريخاً طويلاً من الصراع والجهاد والتدافع، وستبقى في أذنيك أصوات ضربات السيوف وصهيل الخيل وصراخ الرجال، ولكنك بالتأكيد ستخرج بتاريخ أكثر واقعية مما كان لك قبلاً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.