الجمعة 19 رمضان / 24 مايو 2019
08:24 ص بتوقيت الدوحة

لماذا لم تخض إسرائيل المعركة البرية في غزة؟

محمد حجي

الأحد، 25 نوفمبر 2012
لماذا لم تخض إسرائيل المعركة البرية في غزة؟
لماذا لم تخض إسرائيل المعركة البرية في غزة؟
منذ اليوم الأول لبدء عملية «عامود السحاب» في غزة لم يتوقع أحد أن تطلب إسرائيل التهدئة بهذه السرعة، وأن تستنجد بالولايات المتحدة الأميركية لتبحث لها عن حل يوقف صواريخ المقاومة الفلسطينية، بعد أن استطاعت أن تخترق قبتها الحديدية، وتحطم جدارها الحصين، وتطول معظم مدنها، بما فيها القدس. حكومة نتنياهو تعلم أنها فشلت في تحقيق أهدافها من وراء عملية «عامود السحاب»، وتعلم أن المقاومة الفلسطينية خرجت من هذه المعركة منتصرة وبمعنويات عالية، فهذه التهدئة -التي رعتها مصر وأميركا- إن كانت قد نجحت في وقف إطلاق الصواريخ، إلا أن ما أتى في مضمونها كشف حقيقة ما تملكه المقاومة من إمكانات جعلتها تضع شروطها على الطاولة، بل وتفرضها، على من بدأ بالحرب، غير أنه لم يقدر على إنهائها كما يشاء.. لذلك بدا أن ما حدث دراماتيكي ولا يمكنه المرور دون إثارة تساؤلات عدة لدى المتابعين للشأن الإسرائيلي، فهل نستطيع القول إن عدم إقدام إسرائيل على الهجوم البري ضد غزة هو بمثابة خيار استراتيجي أم كان إحساساً بعجز الآلة العسكرية لديها؟ وهل هو تفوق للمقاومة بعد أن استطاعت امتلاك صواريخ نوعية شكلت نوعاً لافتاً من توازن الرعب مع العدو خلال عملية «حجارة السجيل»؟ إسرائيل تعلم أيضاً أن تداعيات هذه المعركة لم تنته بمجرد إعلان التهدئة، بل إن أمامها الكثير حتى تحقق شروط الفصائل الفلسطينية، فعندما لا تتضمن التهدئة شرط عدم امتلاك المقاومة الفلسطينية صواريخ تطول مدن إسرائيل، وقادرة على اختراق قبتها الحديدية، يعني ذلك أن خيار الحرب لا يزال قائماً، ولا أحد يعلم كيف ستكون ظروف المقاومة الفلسطينية في وقتها.. فهذا أمر لن تستطيع حكومة نتنياهو أن تخفيه عن الشعب الإسرائيلي الذي لمس بشكل جلي قدرة المقاومة على تحقيق التوازن العسكري مع جيش بلاده، وهو ما حاول الإعلام الإسرائيلي أن يخفيه طوال الثمانية أيام من عمر المعركة، فاكتفى الإسرائيليون بمتابعة الحرب من المخابئ. وبعد معركة «حجارة السجيل»، يجد المتابع نفسه أمام غابة من التساؤلات، ليس أقلها.. لماذا هددت إسرائيل منذ اليوم الأول بالاجتياح البري؟ وهل قامت إسرائيل بذلك في عام 2008؟ وماذا حققت المقاومة الفلسطينية من معركة «حجارة السجيل»؟ وماذا خسرت إسرائيل منها؟ ثم هل الربيع العربي كان حاضراً من دون أن تدرك إسرائيل ذلك؟ أين دول الممانعة مما حدث في غزة، أم أن ظروف المعادلة السياسية تغيرت وأصبحت دولاً غير ممانعة؟ وكيف أدارت مصر المعركة الدبلوماسية؟ وما هو المتوقع في المستقبل بعد إعلان التهدئة؟ بالفعل قد تكون معركة «حجارة السجيل» -قياساً بالحروب الكبرى- لا تشكل رقماً مهماً، ولكنها بالغة الدلالة السياسية والدبلوماسية، وتحمل في طياتها الكثير من المتغيرات على أرض الواقع، أغلب الظن أننا سوف نشاهدها في القريب العاجل لأنها لم تكن معركة عابرة ولم تأت في توقيت عابر. فعندما يقول خالد مشعل -رئيس المكتب السياسي لحركة حماس- لإسرائيل: «وإن عدتم عدنا»، لا يمكن أن يكون ذلك إلا قولاً ينم عن ثقة بالنفس، باعتباره الطرف الذي لم يستجد أحداً حتى يوقف المعركة، بل إن لسان حاله كان يتمنى أن تستمر المعركة بهدف إكمال المهمة، وهذا ما أغفله الإعلام الإسرائيلي، محاولاً تضليل الرأي العام برسم صورة مغايرة للواقع. فقد كان الإعلام ذاته يعرض صور القصف في غزة بشكل مغاير لما يحدث في المدن الإسرائيلية بسبب صواريخ المقاومة، ولم يستطع الإعلام الإسرائيلي المضلل أن يذكر أن رجال المقاومة الفلسطينية خاضوا معركة الند للند مع الجيش الذي «لا يقهر»، ففي الوقت الذي كانت فيه طائرات العدو تحلق فوق غزة للبحث عن بنك أهدافها، كانت صواريخ المقاومة تبحث عن أهداف لم تطلها في السابق، وفي المحصلة لا ريب أن المشهد قد تغير من 2008 إلى 2012، وأصبح الواقع يقول إن المقاومة الفلسطينية باتت قادرة على تحقيق توازن الرعب في القلب الإسرائيلي، وإنها قادرة على تحقيق المزيد من المفاجآت لو أن المعركة طالت أكثر. وكما هو معلوم فإن الجيوش خلال المعارك لا تعلن عن نياتها، بل تكتفي بتنفيذ خططها العسكرية، حسب ما هو معد في السابق، ولكن ما حدث من قبل الجيش الإسرائيلي كان عكس ذلك، عندما بادر منذ اليوم الأول من المعركة بالإعلان عن نيته اجتياح غزة إذا لم تتوقف الصواريخ، ومن المفارقة أن الصواريخ لم تتوقف حتى آخر ساعة من إعلان التهدئة، ورغم ذلك لم تبدأ إسرائيل المعركة البرية، إذاً فإن التهديد بالهجوم البري بذلك الأسلوب الاستعراضي -الذي لم نعتده من الجيش الإسرائيلي- أظهر المحتل وكأنه يريد الحفاظ على خط رجعة في حالة عجزه عن حسم المعركة لصالحة، وأن اختبار دول الربيع العربي، وعلى رأسها مصر، كان أمراً صعباً وجديداً على إسرائيل في هذا الامتحان الجديد. لقد كان واضحاً أن جيش إسرائيل لم يكن يستطيع اجتياح غزة أو أنه كان متردداً في الإقدام على خطوة قد تكلفه الكثير، بسبب قلة المعلومات الاستراتيجية والأمنية التي كان يمتلكها عن قدرات المقاومة العسكرية، إضافة إلى عدم معرفته حقيقة موقف مصر، وكيف يمكن أن تكون ردة الفعل في الشارع المصري، وهو ما وصل إلى العقل الإسرائيلي، ولكن متأخراً وبعد بدء المعركة. لقد أدرك حكام إسرائيل لاحقاً أن القادة الجدد لأم الدنيا لم يعودوا تجاراً بالقضية الفلسطينية ولا سماسرة بالدم الفلسطيني، بدليل أن معبر رفح -الذي كانت إسرائيل تأمن شره في السابق- أصبح اليوم مؤشراً على أن مصر الثورة تغيرت، وبات على إسرائيل أن تعيد حساباتها، لأن الليلة لا تشبه البارحة، ولأن تعاطي الأمس مع الحماقات الإسرائيلية لن يعود بأي حال من الأحوال. وبلغة الخسارة والربح، فقد أظهرت المقاومة الإسلامية في غزة قدرتها على ردع الجيش الإسرائيلي ومنعه من بدء المعركة البرية التي لوح بها، كما أنها كشفت عن قدرات عسكرية فلسطينية لم يكن يتوقعها العدو الإسرائيلي، وفاقت ما كان رآه لديها في 2008، إضافة إلى كسر الحصار الدبلوماسي والسياسي الذي فرض على القضية الفلسطينية طوال العامين الماضيين بسبب أحداث الربيع العربي، بدخول بعض وزراء الخارجية العرب إلى غزة عبر معبر رفح، في زيارة تضامنية تعبر عن وقوف هذه الدول إلى جانب الشعب الفلسطيني بشكل جريء لم يسبق له مثيل، كما استطاعت المقاومة خرق قبة إسرائيل الحديدية التي كانت تتغنى بامتلاكها سلاحاً استراتيجياً يستطيع حماية مدن إسرائيل من صواريخ المقاومة. إلى ذلك كله، كان لمعركة «حجارة السجيل» دور في الكشف عن واقع الأمة الجديد غداة الربيع العربي، فكان أن خرجت إسرائيل من هذه المعركة بقناعة جديدة وتامة أن حال الأمة العربية قد تغير، وأن هناك أوراقاً كثيرة قد تستخدم ضدها، وأصبحت تل أبيب تعلم أن مصر الثورة غير مصر مبارك، وأن اللعب بورقة اتفاقية السلام مع القاهرة لن يفيدها، بل قد يرتد عليها ويضر بمصالحها الإقليمية، لأن مصر الثورة لن تقبل بأن يذبح الشعب الفلسطيني حتى وهي مقيدة باتفاقية سلام مع العدو الإسرائيلي. وقبل الختام لا بد من التعريج على جانب آخر كشفته عملية «حجارة السجيل» ويتعلق بحقيقة بعض المدعين بأنهم «دول الممانعة»، وأنهم مع المقاومة في أي ظرف كان، وهذا لم يحدث في حقيقة الأمر، لأن النظام السوري مثلاً لم يلعب دور المدافع عن المقاومة الفلسطينية في هذه المعركة، بل على العكس من ذلك، وأكاد أراه يتمنى نفس أمنيات النظام المصري السابق في عام 2008 بأن تهزم المقاومة الفلسطينية، وكأنه يريد القول إن المقاومة التي ليست معي ضد شعبي لن أكون معها ضد إسرائيل! وهنا يطرح البعض سؤالاً على النظام السوري «الممانع»، وملخصه كيف سيكون موقف نظام بشار الأسد عندما تشن إسرائيل هجوماً على جنوب لبنان، مستهدفة حزب الله الحليف الاستراتيجي لبشار الأسد؟ بالتأكيد، الأيام المقبلة ستجيب عن هذا السؤال إذا كان لا يزال هذا النظام يحكم سوريا. وفي الختام نقول إن المقاومة الفلسطينية أثبتت للجميع أنها حرة في مواقفها لا تتبع أحداً... لا سوريا، ولا إيران، ولا حزب الله، ولا حتى دول الربيع العربي، فمن يقرر مصيرها هو الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، وهذا ما يجب أن تفهمه إسرائيل بشكل جيد، فالمقاومة باقية ومستقبلها مشرق من دون الحاجة إلى دول ممانعة، أثبتت الأيام أنها كانت تمانع فقط لكي تبقى في الحكم أطول فترة ممكنة، وهذا ما كانت تدركه إسرائيل وأدركته بشكل أكبر بعد نصر المقاومة في معركة «حجارة السجيل». ودمتم سالمين،،،،،
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.