الخميس 15 ذو القعدة / 18 يوليه 2019
05:34 ص بتوقيت الدوحة

الحضارة الإنسانية وصراع المشاريع.. المحنة السورية النظرية والمثال

الحضارة الإنسانية وصراع المشاريع.. المحنة السورية النظرية والمثال
الحضارة الإنسانية وصراع المشاريع.. المحنة السورية النظرية والمثال
في أميركا نظر المفكرون لصراع الحضارات بينما الحقيقة أن أصحاب المشاريع الاستعمارية هم الذين يتصارعون فيما بينهم على مقدرات الشعوب حين تختلف مصالحهم ويتكالبون عليها حينما تتوافق مصالحهم، ومأساة الشعب السوري البطل خير مثال لمنافسة غير شريفة بين أصحاب المشاريع الاستعمارية فأهلنا في الشام هم الضحية في ظل تواطؤ مخز للمؤسسات الدولية والديمقراطية الأميركية المتزعمة لحقوق الإنسان وكلها شعارات زائفة مسيسة لصالح المترفين في الأرض. بالأمس القريب تقاطعت واتفقت مصالح أصحاب المشروع الإيراني والأميركي والإسرائيلي والروسي على إسقاط دولة العراق كمؤسسات وعدم الاكتفاء بإسقاط نظامه السياسي. ثم بعد سنين اختلفت أطماعهم ومصالحهم في الحالة السورية... فأصحاب المشروع الإيراني يريدون ذبح شعب الشام والإبقاء على حكم عائلة واحدة مستبدة من الطائفة يعتبرونها امتدادا تاريخيا ومذهبيا لمشروعهم وجسرا لتقسيم الأمة وانتقاما من أجداد عظام نشروا الإسلام في ربوع الدنيا وهزموا طغيان كسرى الذي استعبد العرب والكرد والتركمان قرونا. ولا يتردد كبار مسؤوليهم أن يهددوا دول الجوار كما قال أحدهم على العرب أن يرجعوا إلى مكة إن فكروا في إسقاط بشار، والحق يقال فهو نشار لأنه مجرم حرب ينشر أجساد الأطفال والنساء والشباب يوميا بكل وحشية. ومن تناقض الإيرانيين أنهم يمدون نظام الطاغية السفاح بكل ما لديهم من سلاح وعتاد وخبراء كما اعترفوا، وذلك لقتل شعبه، وكل ذلك ممانعة بزعمهم، أما إذا فتحت تركيا حدودها للاجئين وآوت المعارضين فتلك عثمانية جديدة بزعمهم، وهم يدركون تماما أنه لو سقط بشار فإن خطا دفاعيا لأطماعهم سينهار، وهذا شيء مخيف للغاية، فهم على يقين أن الشعب الإيراني المظلوم (بكل قومياته ومذاهبه) يغلي من الداخل، واقتراب الخطر من خارج الحدود يهدد باشتعال البيت بحريق لا يبقي للطغيان الإيراني حيطانا ولا سقوفا. ومن وراء إيران روسيا القيصرية الجديدة التي تعض بنواجذها القبيحة على نظام بشار، ليس من أجل قاعدتهم العسكرية الأخيرة (في ميناء طرطوس) فحسب، وإنما المسألة أعمق من ذلك فانهيار حليفهم في سوريا يعني تقدم الأميركيين خطوة أخرى من محور آخر نحو معاقل الحلف (الإيرانروسي) ثم تشجيع شعوب الولايات السابقة على التحرر، والأعظم من ذلك تهيئة ظروف مواتية لبروز محور جديد بدءا من تركيا مرورا بالشام والعراق انتهاء بجناحين الأول مصر وشمال إفريقيا والثاني منظومة مجلس التعاون الخليجي، وهذا أخطر ما تخافه إيران وروسيا وإسرائيل، ولو نشأ هذا المحور لانقلبت موازين المنطقة تماما. وتبعات هذا المحور المتوقع مخيفة لإيران وروسيا وإسرائيل من نواح عديدة، منها السياسية والعسكرية والاقتصادية، فليس باستطاعة إيران عندها أن تخوف دول المنطقة من الخطر الأميركي، وكذلك لا تستطيع عندها أميركا أن تهدد دول الخليج بالخطر الإيراني، ولو كان العرب والمسلمون ذوي حكمة سياسية ونظرة استراتيجية كأجدادهم الراشدين العظام لسعوا لإقامة هذا المحور ذي الفوائد الجمة، الذي تحسب له القيادة الروسية ألف حساب. وفي الطرف المقابل يتربص أصحاب المشروع الإسرائيلي، الذي يتناغم مع المشروع الإيراني الممانع بزعمهم في ضرورة المحافظة على نظام بشار الذي ورثه من أبيه حامي البوابة الشمالية لإسرائيل لأربعين عاما، وحتى لو تأخر في السقوط فعلى الأقل تنهار الدولة وتتحطم مؤسساتها المدنية والعسكرية ويباد شطر الشعب السوري لا سمح الله، وكل ذلك في صالح المشروع الإسرائيلي، الذي أرعبته هذه الجموع من شباب الشام الذين انتفضوا كالأسود بغية التحرر من العبودية دون أن يجمع أولئك الشباب تنظيم أو حزب، وإنما إيمان صادق بوجوب الدفاع عن الكرامة الإنسانية والأهل والمال والولد، وأن من قتل في سبيل الدفاع عن كل ذلك فهو شهيد إن شاء الله. أما الأميركيون أصحاب المصالح الكبرى فقد بان كذبهم وظهر زيف ديمقراطيتهم للعيان، فالتيار اليميني المتصهين المتطرف لا يتمنى زوال حكم بشار الذي أبقى على الجولان ثروة كبيرة لحليفها وابنها المتمرد إسرائيل، بل يتمنى بقاء الشعب السوري تحت القمع والاستبداد والعبودية أما الاتجاه الآخر (أوباما وفريقه) فلا يقل تواطؤا عن الأول فهو لا يأبه بإبادة نصف الشعب السوري حتى إشعار آخر، فالمهم هو الانتهاء من الانتخابات الرئاسية دون ضجيج وعدم خسارة كرسي الحكم، أما الأطفال والنساء والشيوخ فليقتلوا بعشرات الآلاف وليشردوا بمئات الآلاف فهم لا يرقون إلى مستوى إنسانية الرجل الغربي كما يقولون، وحضارة العراق والشام العريقة ليست بمستوى حضارة الرجل الأبيض في نظر بعض فلاسفتهم وما على القيادة الأميركية إلا أن تصم آذانها عن صرخات آلاف الضحايا وتغرس رأسها في رمال صحراء نيفادا ريثما تنتهي الانتخابات الرئاسية، وعندها لكل حادثة حديث. وكما نعلم فأميركا بخلاف العرب لا يهما التغيير، بل ترعى مصالحها ولا يهمها أن تساير الموجة سواء كان في عهد حسني أم عهد مرسي. والأهم عندهم ألا يتعثر مسير حلمهم القديم المتجدد وهو (الشرق الكبير) الممتد من سبتة ومليلة غربا حتى حدود الصين شرقا ومن شواطئ قزوين شمالا وحتى بحر عدن جنوبا. أما الشعب السوري البطل فلقد قلب الله به كل الحسابات المادية وقد صدق فيه قول الله سبحانه (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) وقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) وتلك سنن كونية لا تحيد ولا تتبدل ولا تتغير وأهلنا في الشام مستيقنون أن الله لم يترك أمر الكون هملا لقيصر كما تقول الثقافة الغربية قديما وحديثا، بل إن خالق الكون سبحانه محيط علما بكيد الظالمين وهو هازمهم ومحيط نصرا وتوفيقا بعباده الصادقين المضحين (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) وقوله سبحانه (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ومن شأنه سبحانه قهر الظالمين وعون المظلومين، وأية دولة ظالمة فهي زائلة ولو ادعت أنها تحكم باسم الإسلام كما قال أهل العلم: دولة الإسلام لا تدوم مع الظلم ودولة الكفر تدوم مع العدل وصدقوا فالله سبحانه يقول (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) فتلك سنن كونية تمس تاريخ البشرية لا يفهما أصحاب المشاريع الاستعمارية الذين لا هم لهم سوى المال والجاه ونهب ثروات الشعوب. ورحم الله العلامة طاهر البرزنجي حين صوب شعر الشابي فقال (إذا الشعب يوما أراد الحياة ** فلا بد أن يستكين الطغاة) فلقد استكان الطواغيت كابن علي وحسني والقذافي وما بشار عنهم ببعيد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.