الخميس 12 شعبان / 18 أبريل 2019
07:20 م بتوقيت الدوحة

سنة العراق وتفعيل المرجعيات (4) مرجعية الفقيه أم السياسي؟

سنة العراق وتفعيل المرجعيات (4) مرجعية الفقيه أم السياسي؟
سنة العراق وتفعيل المرجعيات (4) مرجعية الفقيه أم السياسي؟
بعد ما ذكرنا من مقدمات وآراء في الحلقات السابقة نود هنا أن نضع النقاط على بعض الحروف كي نصل إلى بيت للقصيد. فلقد ذكرنا الدوافع القوية التي دفعت الكثيرين إلى التفكير الجاد في المسألة ثم ذكرنا معوقات التفعيل وتعقيدات المسألة وقناعات الكبار وطموح الشباب حول مسألة المرجعية. أما مرجعية الفقيه فهو مصطلح حادث تعارف عليه الشيعة منذ عقود قليلة فقط، وكما قال العالم الشيعي محمد مهدي شمس الدين (لا يوجد في أدبيات الفكر الشيعي قبل مرحلة الستينيات مصطلح المرجع الأعلى على الإطلاق، وأقول للتأريخ إننا في عهد السيد محمد باقر الصدر مجموعة أنا منهم اخترعنا مصطلح المرجع الأعلى)- محاضرة ألقاها شمس الدين في ذكرى مقتل محمد باقر الصدر عام 1994م بعنوان المرجعية والتقليد عند الشيعة)، وكلام شمس الدين منشور على الشبكة العنكبوتية. أما عند أهل السنة والجماعة فالمرجع هو الكتاب والسنة، وأما الإمام الفقيه المجتهد عند أهل السنة فلا يعتبر مرجعا بالمفهوم المعروف عند الشيعة ولا معصوما من الخطأ ولا يملك سلطة تنفيذية ولا حقا إلهيا في الحكم كولاية الفقيه ولا مقاما مقدسا ولا يملك حق الوصاية على العقل البشري، بل يستشير أهل الشأن كلا حسب اختصاصه وتعلقه بالمسألة قبل إصداره الفتوى في شؤون الحياة المختلفة. وكان الأئمة المجتهدون (كأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل) خلال قرون الازدهار متربعين على هرم مؤسسات للاجتهاد الجماعي كصمام أمان للمجتمع ومؤسسات مدنية لمراقبة أداء السلطة التنفيذية جنبا إلى جنب مع مؤسسة القضاء المستقل.. والحالة المثالية اليوم أن يكون لأهل العلم في العراق مجلس واحد يجمعهم كهيئة كبار العلماء في المملكة أو مشيخة الأزهر في مصر أو المجامع الفقهية في بقية البلدان، لكن واقع الأمر غير ذلك.. وكل مسلم عراقي غيور يتمنى أن يجتمع علماء العراق في هيئة فقهية واحدة أو في أقل تقدير أن يكون التواصل والتنسيق بينهم خدمة للمصلحة العامة ومنعا لتفرق الصف.. وللعديد من الأطراف (من بينهم كاتب المقال) جهود للجمع بين شيوخنا السادة العلماء الأفاضل نرجو من الله السداد والعون والتوفيق، فالطريق شاق وعسير ولكنه يسير بتيسير الله عز وجل. أما المرجعية السياسية إذا كانت التوأمة بين العالم والحاكم فتمثل حالة مثالية كما كان الأمر أيام المصطفى صلى الله عليه وسلم وإبان الخلافة الراشدة. وما سوى ذلك فالغالب أن أولي الأمر (الساسة) هم من قاد الأمة على مدار التاريخ الإسلامي الطويل بقيادة كلما كانت أكثر جماعية وشوروية كانت أقرب إلى روح الدين ومقاصد الشرع الحنيف وسيرة الراشدين المسترشدة بالسنة النبوية. ولا نستغرب حين نعلم أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لم يمض على إسلامه إلا قليل حين عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدا على جيش فيه كبار علماء الصحب والآل ثم عينه الإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما بعد حاكما على مصر الكنانة وكبار الصحابة متوافرون، لحنكته في قيادة المعارك وبراعته في سياسة الأمور ودهائه في إدارة الأزمات. والأمثلة كثيرة في التأريخ الإسلامي كالسلطان ألب أرسلان وعماد الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وقطز والعشرات غيرهم من الساسة والقادة ممن أحاطوا أنفسهم بكوكبة من العلماء وقادوا الأمة قيادة جماعية نحو بر الأمان. إن على المرجعية السياسية الرشيدة المنشودة عبئا كبيرا في هذه المرحلة الخطيرة من تأريخ العراق وذلك في غياب واضح للصوت المعبر عن الهم السني، فسلسلة الاغتيالات والاعتقالات التي طالت مئات الآلاف، والتهم الجاهزة التي لم تستثن حتى المشتركين في العملية السياسية والاستيلاء المستمر على ممتلكات الأوقاف السنية وقضم مناطق السنة التدريجي والتغلغل الناعم في مدنهم وقراهم، وتهجير الملايين، وحصر الأحياء السنية في العاصمة بغداد بين جدران كونكريتية كجدران الفصل العنصري، وفتاوى التخوين ودعوات التحريض على التصفية الجسدية وآخرها فتوى جلال الدين الصغير بقتل الكرد السنة- وكأن ذبح وحبس وتهجير الملايين من السنة العرب لم يكن كافيا!! هذه الأحداث الجسام دفعت الغيارى من أهل السنة العراقيين إلى السعي لبلورة جبهة سياسية فكرية ترفع راية المظلومين في العراق ومن خلال البحث في المسألة ومتابعة دراسات المعنيين تتشكل ملامح وخطوط عريضة للمرجعية السياسية الفكرية المنشودة وكالآتي: أولا: لا بد من مشاركة جميع الأصناف لبلورة جبهة قيادية شوروية (العالم والسياسي والمفكر والقاضي ورجل الإعلام ورجل الأعمال وأستاذ الجامعة وشيخ العشيرة والعسكري ورجال المقاومة الشريفة ومن يمثل الشباب فهم القلب النابض لهذه الأمة) متجاوزين جميعا إخفاقات الماضي وعثراته، وأن يخلع كل مشارك في الجمع مصالحه الشخصية والحزبية والعشائرية عند عتبة الباب قبل الدخول إلى المجلس ويضع نصب عينيه مرضاة الله سبحانه من خلال تقديم المصلحة العامة للأمة والسعي لوقف حمام الدم العراقي المسال كأولوية ومسؤولية كبرى، ثم وقف النهب المستمر لثروات العراق وتدهور أمنه واستقراره واستقلاله. ثانيا: أن يتفق هؤلاء على خطوط عريضة واضحة دون الاكتفاء بالعموميات، براية واضحة وأهداف معينة لها خطة مستقبلية محددة وتشكيل الإطار العام الناطق باسم سنّة العراق والمعبر عن همومهم وحقوقهم (وهو حق طبيعي مكفول في الشرع وفي القوانين الوضعية الدولية)، ومبدأ التعايش مع الغير لا يعني التنازل عن الخصوصية وبعبارة أخرى الاتفاق على مشروع متكامل، فالمشاريع الاستعمارية لا تجابه إلا بمشروع. ولسنا بصدد تحديد الملامح الرئيسة للمشروع فذلك من شأن المجتمعين الكرام. ثالثا: يعلن المجتمعون بكل وضوح أن مشروعهم ليس منافسا لأي تنظيم وليس بديلا عن التشكيلات السياسية أو المؤسسات العلمية في الساحة بل هو إطار للتنسيق بين المجتمعين للوصول إلى هدف نبيل من باب التعاون على البر والتقوى ونصرة المظلوم والتمسك بهوية أهل السنة والجماعة والتفاهم حول القضايا المصيرية للأمة كاستقلال العراق وغير ذلك، وليس بالضرورة أن يكون أعضاء المجلس مستقلين فلعلهم ينتمون إلى جهات لكن المهم أن يبدأ عملهم بترتيب البيت السني (بكل مكوناته العربي والكردي والتركماني) على أسس علمية رصينة مدروسة ودون استعجال.. عسى أن يرجع التوازن الطبيعي إلى القوى العراقية جميعا ويمكن عندها التوافق بين جميع الأطياف حول أفضل صيغة للتعايش والخروج بالعراق من المأساة. ومن ثم استثمار حالة الربيع العربي الإسلامي وبناء العلاقات الطيبة مع المحيط الإسلامي وتستطيع الأمة ممثلة في مؤسسات المجتمع المدني (أو الجماهير المؤمنة عامة) تقييم عمل أصحاب المشروع الجديد والحكم عليهم وذلك حق مشروع للأمة كما قال سبحانه وتعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). وحين يثبت أصحاب المشروع الجديد صدقهم في الميدان ويبرزون كطليعة مجددة مصلحة عندها يجتمع الناس حولهم وينضم المترددون ويقتنع المشككون. رابعا: لا يعتمد أصحاب المشروع سياسة التمثيل النسبي للجماعات والأحزاب أو ما يسمى بنظام المحاصصة الذي أثبت فشله.. وأهلنا في العراق تكفيهم الصدمات التي تلقوها فليسوا على استعداد لتلقي صدمة أخرى أو تحمل نتائج فشل آخر ونزف دماء أخرى وهدر طاقات عزيزة. وأخيرا لا يمكن لأصحاب المشروع المنشود أن يستغنوا عن جهود كبار علماء البلد من الأئمة الأعلام المعمرين بل يستنيروا بحكمتهم ووسطيتهم وآرائهم الفقهية الناضجة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.