الأربعاء 22 شوال / 26 يونيو 2019
03:20 ص بتوقيت الدوحة

سنة العراق وتفعيل المرجعيات (3) قناعات الشيوخ وتطلعات الشباب

سنة العراق وتفعيل المرجعيات (3) قناعات الشيوخ وتطلعات الشباب
سنة العراق وتفعيل المرجعيات (3) قناعات الشيوخ وتطلعات الشباب
كي نتدارس مسألة بهذه الحساسية والتعقيد والأهمية، لا بد من النظر إلى المسألة برؤى متعددة كي نثري الموضوع ونكون أقرب إلى الحقيقة. فمن الناس من يرى الحاجة إلى مرجعية سياسية راشدة تقود الأمة، ومنهم من يرى المعضلة في غياب المرجعية الفقهية، ومنهم من يجمع بين الأمرين، ولذلك أحرص في هذه الحلقة أن أذكر مقتطفات مختصرة من مقالات قوم كرام همهم قضية العراق، فليس من حقي أن أحتكر الكلام في هذه المسألة ولو كنت صاحب المقال، فالأمر عظيم والخطب جلل.. وإن لم نكن متفقين جميعا في التفاصيل فعدة عقول خير من عقل إنسان واحد ينفرد بالبحث ويعتبر نفسه المرجع الأخير بلا منازع، وصدق الصادق المصدوق إذ يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». أما المفكر والداعية الدكتور محمد عياش الكبيسي فقد قدم دراسة قيمة عن هذه المسألة. يقول فضيلته: فالبحث عن المرجعية في الوسط السنّي أصبح اليوم شغلا شاغلا لكل المتصدّين للشأن العام، وحتى المالكي لم يفته أن يدلي بدلوه للبحث في الأسماء والوجوه لاختيار المرجعية السنّية «المناسبة»! لكن لماذا المرجعية؟ وما وجه الحاجة إليها اليوم؟ وكيف يتم اختيارها أو تشكيلها؟ ولماذا لم تظهر هذه الحاجة في الأقطار الإسلامية الأخرى؟ هذه الأسئلة قد تفتح أبوابا واسعة وامتدادات عريضة في الدين والفكر والسياسة والثقافة والتاريخ. ثم يناقش فضيلته المسألة بالتفصيل ويذكر أمثلة تاريخية فيقول: لمّا تخلت «الخلافة» عن دورها في تحرير القدس ومجابهة الصليبيين، لم ينتظر الناس هذه الخلافة حتى تصحو من غفوتها، بل انحازت إلى مشروع التحرير الذي قاده آل زنكي، ثم استكمل على يد صلاح الدين، والمثال الآخر لما سقطت بغداد على يد المغول ووصل الخطر إلى الشام ومصر، استجدت حاجة جديدة ومختلفة عن سابقتها، فالخلافة قد سقطت بالكامل، ودولة المماليك في مصر لم تكن محل ثقة الجمهور، فالتفّ الناس حول العز بن عبدالسلام ليعبّر عن إرادتهم في ضرورة التصدي للخطر المغولي بصياغة المشروع الناظم والذي لا يستبعد أي أحد حتى المماليك أنفسهم. ويقول أيضا: وإذا كانت المعضلة السنّية اليوم أكبر من أن يتحملها فرد ما مهما كان علمه ووعيه واستعداده للتضحية، فإنه في المقابل لا يتصور تحقيق إجماع ما في مثل هذه المعضلة، والأقرب من هذا هو الدفع باتجاه المتقاربين في الرؤية لصياغة المشروع الناظم والمعبر بالصدق عن حاجة الجمهور، وحين يلتف الجمهور حول مشروعه هذا فإنه سيحسم بنفسه حالة الانقسام والتردد التي كان لها من التبعات الثقيلة ما يزيد ربما على كل التحديات الأخرى. أما فضيلة الشيخ الدكتور حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين، فقد قال في معرض حديثه عن مفهوم الهيئة للعمل: الشرع في مفهومنا ومفهوم الواعين من المسلمين جميعًا ما جاء إلا لرعاية الإنسان وإسعاده ديناً ودُنيا، وبالتالي فإن المفهوم الشرعي أعم مما يتصور البعض أنه قاصر على الفتوى المجردة والحلال والحرام، بل الشرع يتعدى ذلك إلى كل أمور الحياة؛ لأنه دين ودنيا، والذي يقول غير ذلك إما أنه يجهل هذه الناحية في الإسلام، أو أنه للأسف الشديد لديه دوافع أخرى يريد أن يحصر الإسلام في الحلال والحرام، وبذلك يلتقي مع الطرح العلماني الذي يريد أن يقصر الدين على مسائل العقيدة والعبادات دون ما عداها من مجالات الحياة. أما المنظّر والداعية الدكتور طه الدليمي صاحب مؤسسة القادسية، فقد تحدث بإسهاب عن مسألة المرجعية وأهل الحل والعقد في حلقات متلفزة.. يقول فضيلته: والمرجعية مصطلح حادث، ولا يمكن أن نحصر المرجعية بالفقيهة، ولا يمكن قياس المرجعية على المرجعية الشيعية. ويقول فضيلته في موضع آخر: المرجعية لدى أهل السنة ليست فقهية بل سياسية، لأن السياسي الذي يحكم بدين الله هو الذي بيده مصالح العباد الدنيوية والدينية، ومن بين علماء العراق من جيل الشباب الشيخ الدكتور السامرائي، وله وقفات جديرة بالتأمل تعبر عن تطلعات العديد من العلماء الشباب في هذه المسألة إذ يقول: السؤال المحوري هو الآتي: هل مشكلتنا نحن السنة اليوم في عدم وجود المرجعية الدينية؟ بمعنى هل النقص الذي عند السنة اليوم بسبب عدم وجود مفتين أو علماء؟ لو افترضنا أن هناك تشكيلا علميا كمجلس فهل تعتقد أن المشكلة ستكون بغير شكلها الحالي؟ أعتقد أن مشكلتنا فيها نوع تعقيد.. نحتاج إلى ممثلين يثق الناس بإخلاصهم ووعيهم للمرحلة.. قيادات منفتحة تقبل الآخر مهما كان، وتحاول لملمة الأطراف وليس العكس. نحتاج إلى قيادات واضحة جلية تصدع بالحق ولا تخاف ولا تتلون، نحتاج إلى قيادات تجيد فن محاورة واستمالة مشاعر المسلمين في شتى المعمورة، فهم عوننا بعد الله. نحتاج إلى قيادات ذات يد نظيفة وماض طاهر وسيرة حسنة سوية، قيادات غير ملوثة بسلبيات النظام السابق ولا مظالم النظام الطائفي الحالي، قيادات تحمل روح الشباب وتتفاعل مع الواقع وتعيش ألم الداخل، وإن كانت في الخارج قيادات تحب العراق من أقصاه إلى أقصاه ولا تفضل طرفا على طرف.. نحتاج ونحتاج.. ومعروف عنه أنه يرى وغيره ضرورة الحاجة إلى قيادة سياسية في هذه المرحلة من باب قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). وأما الكاتب الشباب عبدالله الدليمي (والذي يعبر بقلمه عن قطاع من جماهير الشباب في العراق) فيقول: إنه لأمر محزن أن يعيش أهل السنة في العراق اليوم أحلك مراحل التاريخ بلا مرجعية رشيدة تمارس دورها في قيادة هذه الملايين الحائرة التي تتعرض إلى أبشع هجمة استئصالية (أقصد مرجعية فكرية شاملة تتولى دور القيادة، وليس مرجعية فقهية بحتة على غرار المرجعية الشيعية). ولا أدري.. إن لم يكن هذا وقت المرجعية ونحن مهددون في حياتنا وعقيدتنا وأعراضنا وثوابتنا، فمتى؟ لقد آن الأوان لتدارك هذا الأمر ونعمل على تشكيل واجهة تضم نخبة من أهل العلم الشرعي والسياسي المشهود لهم بالإخلاص والحكمة.. ممن يجيدون قراءة المشهد وتشخيص الأمور وعلاجها، والربط الحكيم بين النتائج وأسبابها. وبعد الاستشهاد بعبارات الأفاضل السابقين أقول: القاسم المشترك بين جلهم أن الحاجة ماسة إلى ترتيب البيت السني العراقي، من خلال تشكيل مرجعية سياسية جماعية مسترشدة بتوجيه الفقهاء، كقيادة رشيدة فاعلة واعية لمتطلبات المرحلة، واضحة التوجهات متمسكة بثوابت الهوية الإسلامية، صاحبة خطاب سياسي واضح وصريح، وكما يقول الداعية والمفكر العراقي الدكتور ربيع الحافظ: أهل السنة بحاجة إلى خطاب سياسي خال من العموميات التي أصابته في مقتل ولازمته منذ مطلع القرن الماضي.. وفي جانب آخر يسعى سادة كرام لإيجاد مرجعية فقهية تقوم بتوجيه الجماهير السنية علميا دون التأثر بالتوجهات السياسية القائمة، ومنهم فضيلة الدكتور الشيخ رافع الرفاعي رئيس هيئة الإفتاء، وعلاّمة الأنبار فضيلة الشيخ عبدالملك السعدي ومن حوله من العلماء، وفضيلة الدكتور عبدالحميد العبيدي، وفضيلة الدكتور عمر الكبيسي، وأعضاء المجمع الفقهي العراقي برئاسة فضيلة الدكتور محمود العاني، وفضيلة الدكتور أحمد حسن آل طه وغيرهم.. mbarzingy7@yahoo.com •
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.