الأربعاء 17 رمضان / 22 مايو 2019
10:51 م بتوقيت الدوحة

سنة العراق وتفعيل المرجعيات (2)

التعقيدات والمعوقات

التعقيدات والمعوقات
التعقيدات والمعوقات
في الحلقة الأولى من هذا المقال تحدثنا عن دواعي تفعيل المرجعية من الناحية الفكرية والتاريخية، وقلنا: إن الإمام المجتهد عند السنة لا يملك ولاية قسرية على الجماهير المتبعة ولا الوصاية على العقل البشري، صحيح أن الفكر الإسلامي قد ربط بين الرشد السياسي وريادة العلماء العلمية والثقافية للمجتمع لكنه ترك مجالاً واسعاً لحركة العقل البشري كما في نصوص عديدة على سبيل المثال قوله عليه الصلاة والسلام: (استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس). واستكمالاً لأبحاث إخوتي فضيلة الشيخ عياش الكبيسي وفضيلة الشيخ طه الدليمي وغيرهما من رموز أهل السنة والجماعة أريد في هذه الحلقة أن أتحدث عن تعقيدات ومعوقات تفعيل المرجعية، سواء كانت داخلية أو خارجية ناهيك عن الاختلاف في صيغة المرجعية بين المثال والواقع وبين التجاذبات السياسية والعلمية. قبل أكثر من قرن كان السلطان العثماني بمثابة المرجع السياسي يمثله في الولايات شخص الوالي كوالي بغداد والموصل وشهرزور والبصرة وغيرها بينما هيئة الإفتاء برئاسة المفتي بمثابة المرجعية العلمية في بغداد أما المراجع الشيعية الحوزوية، فكانت ترجع كذلك إلى الفرمان السلطاني الصادر من اسطنبول في إثبات أحقيتها. ولكن المرجعية العلمية للسنة بدأت بالخفوت وبدأت الشيعية بالبروز لأسباب منها: 1- منذ سقوط الشاه عام 1979 باتت المراجع الشيعية سواء كانت سياسية أو حوزوية مدعوماً دعماً كبيراً من إيران التي أخذت على عاتقها مشروعاً توسعياً تحت شعار تصدير الثورة.. ولكن فيما بعد تنبهت شعوب المنطقة إلى خطورة تغلل المشروع الإيراني من الخلف في الوقت الذي تقف فيه الأمة متحفزة في وجه الكيان الصهيوني المحتل.. أقول بعدما تبين لإيران أن هذه الشعوب قد انتبهت قامت بتغيير اللافتة إلى عنوان براق وجذاب هو دعم محور الممانعة ولكن انكشف الزيف عندما انغمست القيادة الإيرانية حتى الأعماق في دعم الدكتاتور بشار في سحق شعبه وتدمير بلده وتحطيم طاقاته. 2- في المقابل لم تتبن الدول العربية دعم المرجعيات العلمية أو السياسية السنية العراقية، ولعلها بعضها بدأت التحرك متأخراً بعد تغلل المشروع الإيراني في جميع مفاصل الحياة العراقية ناهيك عن المشاريع الأخرى في غياب مشروع مقابل يدعم أهل السنة والجماعة ليس من أجل إشعال حرب طائفية (يترقبها الغرب منذ زمن بعيد)، ولكن لوقف آلة التصفية الرهيبة الموجهة نحو السنة العرب علماً بأن السنة يشكلون ملياراً ونصف المليار من مجموع مليار وستمئة مليون، ولكن صاروا غثاء كغثاء السيل حتى أيقظ الله الهمم وبدأ الربيع منطلقاً من بلاد برقة والزيتونة والقيروان مروراً بأرض الكنانة زاحفاً نحو بلاد الشام. 3- المرجعية الشيعية لها مواردها المستقلة من مال الخمس المفروض على كل فرد شيعي سنوياً، وهو مبلغ ضخم يعادل ميزانية دولة بينما علماء السنة يعتمدون على الرواتب الشهرية التي لا تكاد تسد رمق المفتي وعائلته ناهيك عن استثماره وتوظيفه. 4- بروز الصبغة الطائفية واضحاً في تكوين الشخصية السياسية الشيعية في العراق يوماً بعد يوم تزامنا مع تعاظم الأطماع الإيرانية بينما غابت عناصر الاعتزاز بالانتساب إلى أهل السنة والجماعة عن مفردات الساسة السنة كرداً وعرباً وتركماناً خوفاً من الوصف بالطائفية في الوقت الذي يتعرضون فيه لإبادة جماعية ممنهجة لأنهم سنة، وهذا أمر مستغرب، وله عوامل كثيرة ومتداخلة منها ابتداء ابتعاد مناهج التربية الأسرية والرسمية عن الاهتمام بمفردات الثقافة الإسلامية الأصيلة التي تؤكد أن حب الصحابة والآل بلا استثناء من مقومات الإيمان ومن مكونات الهوية الإسلامية وانتهاء بالإرهاب الذي يمارس يومياً ضد كل إنسان عراقي سني بغض النظر عن مستوى تدينه وهذا الإرهاب الممنهج ذو هدفين الأول طمس معالم الهوية ومحو الشخصية السنية لدى الشعب العراقي من جهة ومن جهة أخرى إخماد أية حركة عراقية عروبية وطنية في الوسط الشيعي لمقاومة الهيمنة الإيرانية. 5- لا ننكر أن المرجعية العلمية السنية اختلفت إلى واجهات متعددة مما أضعف تأثيرها في الشارع العراقي ومجال بحثه في موضع آخر. 6- تعدد واجهات المقاومة التي لم تملك مشروعاً مستقبلياً واضحاً يوحدها بخطوط عريضة بل اختلفت حالها كحال الساسة والعلماء ووقع البعض منها في شباك نصبت لها بإحكام فانحرفت عن مسار جهاد الدفع حتى تورطت في ذبح بني جلدتها العراقيين، ولكن أغلب الفصائل الحقيقية التي رفعت راية جهاد الدفع ظلت نزيهة بعيدة عن سفك الدم الحرام. 7- وأما المرجعية السياسية للسنة فأشد اختلافاً ولم تستثمر الفرص في خضم التحديات الكبرى حتى الإنجاز العظيم الذي أجراه الله سبحانه على يد إخوانهم من رجال المقاومة الوطنية الشريفة (السنية بامتياز) لم تستثمر كما ينبغي، فكانت أغرب مقاومة في العالم كما قال أخي فضيلة الشيخ عياش لأنها أخرجت المحتل الأميركي من البلد، وخرجت هي كذلك من المعادلة، والذي زاد الطين بلة أن الأمراض التي أصابت سياسيي العالم العربي اجتمعت عند الساسة العراقيين فالحزب الإسلامي النخبوي ذو الخلفية الإخوانية لم يستطع أن يستغل الزخم الجماهيري في بداية الأمر، وظل يعتقد أنه الأوفر حظاً والأجدر بالقيادة من بقية الأحزاب ونتيجة لعوامل داخلية وخارجية فقد انحسر تأثيره حتى حين، وأما بقية السنة العراقيين فقد انخرطوا في مؤسسات مدنية وفعاليات عشائرية وأحزاب ذي صبغة وطنية وقومية، ولكن هذه الرموز السنية انهارت أمام التحديات وتصدعت وراح العديد من رموزها ضحية الترغيب والترهيب حالهم حال عدد من رموز التيار الإسلامي.. وكذلك برزت ومنذ البداية هيئة علماء المسلمين التي تراوحت توجهاتها بين المرجعية العلمية والسياسية، ورغم اسمها الديني فقد رفعت شعار الوطنية والعروبة والعراقية من باب عدم تعارض هذه الانتماءات إن كانت في مسارها الصحيح.. وعلى رأس الهيئة شخصية معروفة جمعت بين البعد العلمي والعشائري والتاريخي وأعني فضيلة الشيخ حارث الضاري.. والعرب السنة لم يعدموا رجالاً قياديين بارزين من أمثال الشيخ حارث الضاري ورئيس الحزب الإسلامي سابقاً الأستاذ محسن عبدالحميد والأستاذ طارق الهاشمي وغيرهم ممن اختلف اجتهادهم مع فضيلة الشيخ حارث في طريقة التعاطي مع الأوضاع بعد الاحتلال، ولكنهم شابهوه في التضحية بأنفسهم وأهليهم ومالهم في سبيل خدمة المسلمين والعراقيين بصورة عامة (هكذا نحسبهم جميعاً ولا نزكيهم على الله). ولكن من معوقات عملهم جميعاً أنهم كرموز لم يكونوا محاطين بفرق عمل محنكة من المستشارين السياسيين المظهرين للبعد السني بوضوح. 8- إن ظروف الحكم الفردي وسنين الحصار الاقتصادي ثم الأحوال الرهيبة والعصيبة وجو تصفية الحسابات والاغتيالات والاعتقالات التي تلت سقوط بغداد أسهمت كلها في تغيير طبيعة النفسية العراقية التي أصبحت متوترة متوفزة لا تحتمل الآخر مما زاد الخلاف والفرقة بين مكونات البيت السني. 9- وتعقيد ومعوق آخرين هو الاتفاق بين أصحاب المشروعين الإيراني والأميركي على احتلال العراق وعدم الاكتفاء بإسقاط النظام بل إسقاط مقومات ودعائم الدولة العراقية العريقة.. ولكن صدق الله (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) فقد ظهر في الأفق اليوم بوادر تصدع هذا الحلف المشؤوم بين أميركا وإيران، وكأن السحر انقلب على الساحر، ومن حفر حفرة لجاره وقع فيها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.