الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
06:25 م بتوقيت الدوحة

سنة العراق وتفعيل المرجعيات (1)

سنة العراق وتفعيل المرجعيات (1)
سنة العراق وتفعيل المرجعيات (1)
بعد عقود من الحكم الفردي والحروب الداخلية والخارجية الطاحنة والتي ختمت بسقوط بغداد تحت نير احتلالين ثم بعد مضي عقد من الاحتلال المركب الذي دفع العراقيون ثمنَه باهظا من ثرواتهم ودمائهم وطاقاتهم المبدعة، إذ تعرض السنة في العراق لأبشع حملة تصفية في التأريخ وهي مستمرة إلى يومنا هذا. أقول بعد كل هذا التقتيل والحبس والتعذيب والتهميش والقسر والتهجير ومحو الهوية بدأ العراقيون مرة أخرى عملية البحث عن آليات لتفعيل مرجعيتهم التي تغيبت وغيبت قسرا من قبل الحكومات المركزية المتعاقبة. البعد الفكري والتأريخي: منذ العقد الأول من فتوح تحرير البشرية من عبودية بعضهم للبعض الآخر في ظل طغيان كسرى وقيصر كانت المرجعيات (إن صح التعبير) في العراق كبار الصحب والآل رضي الله عنهم بدءا بخال النبي عليه الصلاة والسلام سعد بن أبي وقاص فاتح العراق ووالي الكوفة ومعه فقيه الكوفة وقارئها عبدالله بن مسعود وسلمان الفارسي وبعض هؤلاء قد جمعوا بين القيادتين العلمية والعسكرية أو الإدارية ثم كان قدوم سيدنا علي إماما في العلم والسياسة ومعه عشرات الصحابة الكرام، فتوسعت قاعدة المرجعية السياسية والعلمية الممتزجة واقعا معاشا في حياة الناس.. ثم برز من جيل التابعين علماء أعلام ابتداء بالحسن البصري ومرورا بالإمام أبي حنيفة النعمان الذي أصبح رمزا وعنصرا من عناصر الهوية العراقية التاريخية والحاضرة.. فقد ظل الإمام المجتهد أبو حنيفة حاضرا بفقهه وبمسجده الجامع في بغداد وفي الماضي بشخصه وقيادته لمدرسة من مدارس الاجتهاد الجماعي مع بقية الأئمة المتبوعين عبر قرون ممتدة سواء كان الحاكم عربيا كأبي جعفر المنصور من ذرية آل البيت أو كرديا كالسلطان الناصر صلاح الدين موحد الأمة ومحرر القدس أو تركيا كالسلطان محمد فاتح القسطنطينية.. ثم توالى الأئمة المجتهدون الذين كانوا بمثابة صمام الأمان للأمة حتى دخول المحتل البريطاني الذي بدأ خطته الخبيثة بمحاولة التخفيف من تأثر الشارع العراقي بالعلماء خاصة بفضيلة المفتي العام ومن ورائه كبار علماء البلد بشتى الوسائل وكانت المرجعية العلمية إذ ذاك متمثلة بالعلامة أمجد الزهاوي رحمه الله صاحب الشخصية العالمية، وقد عرف بدور المحوري مع فضيلة المفتي الحسيني في القضية المركزية فلسطين وإلى جواره الداعية الشيخ محمود الصواف الذي رام الجمع بين القيادتين السياسية والعلمية ثم جاءت الحكومات المتعاقبة فأكملت مشوار الانتداب البريطاني فيما يتعلق بالمرجعية حتى غيبت الشخصية العلمية السنية عن الجماهير وفصلتها عن عالم السياسة وكانت في العقود الأخيرة متمثلة في شخص سماحة الإمام عبدالكريم المدرس رحمه الله تعالى بالإضافة إلى كوكبة من كبار العلماء المعمرين من أقرانه ممن رفضوا أن يركنوا للظالمين كالأئمة الأعلام محمد الباليسان وطاهر البرزنجي ومصطفى البنجويني وهاشم جميل وعبدالكريم زيدان) ومن يصغرهم سنا من كبار العلماء كعلامة الأنبار عبدالملك السعدي ورغم إبعاد كبار العلماء عن مركز صناعة القرار السياسي فقد كنت ترى في مجالسهم (بعيدا عن وسائل الإعلام) عددا من القادة العسكريين والمفكرين ورجال الأعمال ممن يسعون للاسترشاد بهدي الإسلام على سبيل المثال لا الحصر ضابط الصاعقة محمد فرج ورفاقه واللواء المتقاعد المؤرخ محمود شيت خطاب ورجل الأعمال المعروف بعطائه الخيري الحاج رعد طبرة وآخرين كثيرين، ومن هذه المقدمة التي اختصرت فيها كثيرا من الأحداث والأسماء أدخل باب المسألة فأقول: العراقيون (سوى النصارى والصابئة) إما شيعة وإما سنة، أما الشيعة فقد التف ساستهم وعوامهم حول مرجعياتهم الدينية حتى تمكنوا من سدة الحكم ولو بالعنف والقوة وثبتوا عناصرهم في مفاصل الدولة في الوقت الذي كانت جماهير أهل السنة منشغلة بأمور في ظل اختلاف قياداتهم منها إخراج المحتل الأميركي من البلاد وتصدت لذلك فصائل المقاومة وطائفة رأت المشاركة في الحكم من باب دفع المضرتين بأخفهما كالحزب الإسلامي ومنهم من رأى الأصوب في عدم المشاركة في ظل الاحتلال والتصدي للمحتل بوسائل مختلفة كفضيلة الشيخ الدكتور حارث الضاري رئيس هيئة العلماء وانشغل مكون آخر من السنة وهم الكرد بتثبيت دعائم منطقة آمنة (إقليم كردستان العراق) الذي صار فيما بعد ملاذا آمنا لمهجري الداخل. هذا وصف مختصر للواقع الذي حصل فلما أن خرج المحتل الأول (الأميركي) وتأمل العراقيون بمختلف أطيافهم وجدوا المحتل الثاني (الإيراني) قد استشرى وتمكن داعما بكل ما أوتي من قوة الحكومات المتعاقبة في بغداد والتي تصب سياساتها في مصلحة الأمن القومي الإيراني وليس ذلك بسر بل صرح به قادة إيران مرارا وجهارا واستمر حال العراقيين خاصة السنة العرب بالتدهور ووقع منهم الملايين بين قتيل مظلوم ومفقود منتظر وسجين معذب ومهجر مشرد، كل ذلك بالتزامن مع حملة متسارعة ممنهجة لمسخ الجيل الجديد ومحو هويته وشخصيته السنية. ثم امتد المخطط الإيراني إلى أعماق كردستان العراق شيئا فشيئا، هنا بدأ العقلاء من أهل السنة من العلماء والساسة والمفكرين وشيوخ العشائر وقادة المقاومة عملية نقد الذات ومراجعة الماضي القريب وتوالت الجهود وازدادت الدعوات المخلصة من الأطراف لتدارك الأمر الجلل وتفعيل المرجعية ولعل آخرها وصية العلامة طاهر البرزنجي رحمه الله علما بأن المرجعية عند أهل السنة مختلفة عنها عند الشيعة، فالمرجعية أولا وآخرا الكتاب والسنة وإنما الأئمة المجتهدون هم القيادة العلمية في معترك الحياة ومن يسترشد بفتاويهم وآرائهم الفقهية من الساسة سعيا لترجمة تلك الآراء إلى واقع معاش أملا في بناء نظام أساسه العدل وحرية الاعتقاد وتكوين مجتمع بشري فاضل في ظل حكم رشيد وقضاء عادل يحترم فيه كرامة الإنسان كرامة تليق بمن خلقه الله خليفة في الأرض وجعله سيدا لهذا الكون. ثم إن الإمام المجتهد عند أهل السنة لا يملك ولاية قسرية على الجماهير المتبعة وغير معصوم من الخطأ وليس له حق فرض الوصاية على العقل البشري، وأخيرا فإن المرجعية الإسلامية علمية وسياسية ممتزجة لا تكاد تنفصل في أدوارها وتأثيرها في المحصلة النهائية، وذلك مستنبط من معاني القرآن متحدثا عن الأمم الغابرة كما في قوله سبحانه (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) والملأ -كما قال العلماء هم وجهاء ومقدمو القوم الذين يرجع إلى أقوالهم- طلبوا من نبيهم أن يعين لهم قائدا ليلتفوا حوله يخلصهم من الذل والاستعباد وهنا تمازج بين توجيه النبي وإمرة الملك الصالح تكامل بين العلم والسياسة. وبعض الأنبياء جمعوا بين الأمرين، ولعل من أروع صور التمازج بين المكون العلمي والسياسي في المرجعية (بعد القرون الفاضلة) تلك الصورة الشامخة من التلاحم الذي حصل في عهد السلطان صلاح الدين يوم أن تخلت إدارة الخلافة عن دورها القيادي فرفع الراية ثلة من العلماء والقضاة والمثقفين والساسة ورجال الإعلام وأمراء الجهاد والتجار وسيدات الأعمال يتوسطهم السلطان الناصر صلاح الدين. وللحديث صلة..
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.