الأربعاء 13 رجب / 20 مارس 2019
02:11 م بتوقيت الدوحة

ثورة الدجاج

ثورة الدجاج
ثورة الدجاج
يبدو أن الإيرانيين بصدد تفجير ثورة ثانية، بعد أن تأكد لملايين المهمشين والمحرومين أن الثورة الإسلامية لم تثمر سوى عن تعميق الفوارق الطبقية وسيطرة رجال الدين على السلطة والمال. تمتلك إيران ثالث أكبر احتياطي للنفط وثاني احتياطي من الغاز على مستوى العالم، إلى جانب المساحات الشاسعة من الأراضي الخصبة، والعديد من المعادن النفسية. رغم ذلك، تؤكد إحصاءات البنك المركزي الإيراني أن 14 مليونا من الشعب يعيشون تحت خط الفقر وأن معدل البطالة يتجاوز %14. عادة ما تغدق الدول التي تمتلك ثورات طبيعية على شعوبها، لكن قدر الإيرانيين أن يكونوا استثناء بين الأمم، فالشباب الذي يمثل غالبية الإيرانيين (أكثر من %50 من الإيرانيين تحت سن 24 سنة) يعيش قلقا رهيبا من المستقبل بفعل ارتفاع البطالة وعدم تكافؤ الفرص. بيد أن التعبير عن هذا التناقض الصارخ بين إمكانات البلد الاقتصادية ومستوى دخل الفرد تجاوز المراكز الإحصائية إلى الشارع. لقد ضاق الإيرانيون ذرعا بالسياسات التي أقعدتهم في العوز، ولم تعد غالبيتهم ترى أن مجاهرة النظام بعداء الغرب مبرر وجيه للاحتفاظ به إلى الأبد. الدجاج أحد تجليات الغضب الإيراني من الإفقار -وليس الفقر- حيث سارت مظاهرات مؤخرا احتجاجا على ارتفاع سعر الدجاج، وقد وصف المتظاهرون النظام بالفشل والفساد قبل أن يطالبوه بالرحيل. تعني مظاهرة الدجاج أن الناس باتوا يشعرون بالحرمان من كل شيء مهما كانت قيمته من جهة، وتعني من جهة أخرى أن طاقة الصبر لدى السكان قد استنفدت بالكامل. وخلافا لما قد يتصوره البعض من أن العنوان يسيء للإيرانيين، فإن ثورة الدجاج ستؤسس للكرامة والحرية والمساواة. الشعوب تثور في سبيل الحصول على الخبز والملح، وليس عيبا أن تنتفض إيران من أجل الدجاج. على العكس من ذلك، تمتلك ثورة الدجاج مقومات النجاح لأن روافدها شعبية ومطالبها شرعية، خلافا للثورة الخمينية التي اعتمدت على تجييش مشاعر الناس ولم تجد حرجا في مواصلة اللعب عليها (المشاعر) على حساب تلبية المطالب. طيلة ثلاثة عقود ظلت الفئة القليلة في إيران تهيمن على الثروة والسلطة وتحيط نفسها بهالة من القداسة لا ينتهكها إلا «المارقون من الدين وأعوان الشياطين». لكن الشعب الإيراني سئم من نظام الشعارات والخطب المدوية ولم يعد يقبل باختطاف السلطة ونهب الثروة باسم الدين. ولعل الجانب الاقتصادي رغم محوريته في دفع الشعوب للتمرد ليس وحده ما يحث الإيرانيين على الانتفاض. بقليل من التأمل يدرك المراقب أن أركان الثورة قد اكتملت في إيران، فمن حيث الحريات يعيش الشارع احتقانا حادا منذ عودة أحمدي نجاد للسلطة حيث ترافقت مع قمع منظم للمتظاهرين والمتنورين. ونتذكر أن الإيرانيين استخدموا حينها الإعلام الجديد للتواصل وفضح ممارسات النظام ضد المحتجين على التزوير. كذلك، ستؤثر تداعيات الربيع العربي سلبا على حكام طهران، خصوصا بعد سقوط الأسد الذي بات مسألة وقت فقط. سيؤكد رحيل النظام السوري فشل النموذج الإيراني وانحسار نفوذ طهران في الإقليم. لكن العامل الأهم في الإطاحة بالنظام الخميني يتمثل في أن الشعب الإيراني لم تعد لديه قناعة بتحمل الفقر والعزلة مقابل ما يسميه نجاد تحدي غطرسة الغرب. يريد الإنسان الإيراني العادي الرفع من دخله وتيسير الزواج ومحاربة المخدرات، التي تنخر المجتمع، ولا يهمه بعد ذلك ما إذا كانت واشنطن شيطانا أو دجالا. كذلك، تدرك الطبقة الواعية في إيران أن استعداء الغرب ليس إلا وسيلة لحشد أسباب البقاء للنظام. وتعي هذه الطبقة أن التجربة التركية تؤكد أنه بإمكان طهران، لو شاءت، أن تلعب دورا محوريا في الإقليم دون أن تستعدي العالم ودون أن تضطهد المواطنين.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

.. ومن فوض العرب؟

13 أكتوبر 2014

حول الخطيئة الكبرى

08 أكتوبر 2014

بين العرب والبرازيل

28 يونيو 2013

نكرهكم يا فخامة الرئيس

21 سبتمبر 2012

إيران وعقيدة التحريف

07 سبتمبر 2012