الأربعاء 17 رمضان / 22 مايو 2019
02:08 م بتوقيت الدوحة

المصالح والمفاسد

المصالح والمفاسد
المصالح والمفاسد
جاءت الشريعة الإسلامية الغراء ساعية في مصالح العباد ومنافعهم ودرء المفاسد والأضرار عنهم، وهذا الشيء يعلمه كل من له أدنى مطالعة لأصلي التشريع في الإسلام، الكتاب والسنة، فالله –جل وعلا– يحب المحسنين ويبغض المسيئين والمفسدين، ويدعو سبحانه إلى التآزر والتعاضد في فعل الخير والمصلحة وينهى عن الشر والمفسدة، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان)، كما بين سبحانه أن شريعته المحكمة ليس المراد منها تعذيب الناس وثمنيتهم أو جلب الحرج لهم، بل على العكس من ذلك جاءت التشريعات للتيسير ورفع الحرج والمشقة، قال جل شأنه: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وقال أيضاً: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، كما أن السنة النبوية أولت هذا الموضوع اهتمامها حتى غدت الدعوة الصريحة إلى فعل الصالحات النافعات ومجانبة السيئات المفسدات المرتكز الأوفر حظاً في التوجيهات النبوية الكريمة، وما حوته دواوين السنة المطهرة خير شاهد على ما نقول، ولا شك أن رجحان المصالح على المفاسد أو العكس يوفر الكثير من الجهد والوقت إذ يقبل الناس على المصلحة ويدعون المفسدة، ولكن قد يحدث أن تتقارب الآثار المترتبة على كل من المصلحة والمفسدة في أمر ما، وعندئذ يكون الأمر في حاجة إلى موازنة راشدة تأخذ في اعتبارها ملابسات ومآلات لا يمكن بحال الترجيح والتغليب من دون استصحابها في أثناء النظر، وأصل ذلك المنهج الداعي إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد حدد لنا أطره ورسم معالمه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في مواضع شتى من سنته منها ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين، باباً شرقياً وباباً غربياً وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة). قال الحافظ بن حجر في فتح الباري «ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه». وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه صلاحهم ولو كان مفضولا ما لم يكن محرماً، وعلى هذا فالضرر لا يزال بضرر منه أو أكبر منه، وإذا كان لا بد من ارتكاب أحد الضررين فيرتكب أخف الضررين وأهون الشرين، ويحتمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأكبر، ويحتمل الخاص لدفع الضرر العام، وكذلك تقدم المصلحة الكبيرة على المصلحة الصغيرة، وتقدم مصلحة الأمة على مصلحة الفرد، وتقدم المصلحة المتيقنة على المصلحة المظنونة أو المتوهمة، وتقدم المصلحة الدائمة على المصلحة العارضة أو المنقطعة. من كل ما تقدم –على وجازته– يتبين لنا أن الفتوى تغيرت حسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد طلباً للمصلحة ودرءاً للمفسدة، فإن الشريعة كما يقول ابن القيم في إعلام الموقعين: مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليس من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

سهم الإيمان في رمضان

16 يوليه 2013

السنن المنسية

15 يوليه 2013

زينة الصدق

14 يوليه 2013

الهوية الإسلامية

13 يوليه 2013

خطتك في رمضان

12 يوليه 2013

المصالح والمفاسد

11 يوليه 2013