الخميس 14 رجب / 21 مارس 2019
04:17 ص بتوقيت الدوحة

الوقت: حجة لك أو عليك

الوقت: حجة لك أو عليك
الوقت: حجة لك أو عليك
للوقت أهمية كبيرة في حياة الفرد والجماعة على حد سواء، وقد عرفه الفيروز آبادي بأنه: «المقدار من الدهر»، وهو بهذا يشير إلى أن الوقت هو ذلك الكم المنقطع من الزمن، سواء كان هذا الكم قصيرا أو طويلا. ونظرا للأهمية البالغة التي يمثلها هذا العنصر من عناصر وجودنا، فقد أولته نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة عناية خاصة من حيث إبراز مكانته والتنبيه إلى قيمته، ومن ذلك قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ). وقوله جل وعلا: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ).(27) سورة فاطر. فهؤلاء ظلموا أنفسهم عندما فرطوا وأهملوا في هذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم, وهي أن أمهلهم وقتا طويلا يكفيهم ليصلحوا من شؤونهم بفعل الطاعات والقربات، ولكنهم حولوا هذه النعمة إلى نقمة بهذا التفريط، وصيروها وبالا عليهم بذلك الإهمال. من جهتها تتابعت التنبيهات النبوية مؤكدة على ما للوقت من أهمية، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه...) الحديث. رواه الترمذي وصححه. وقوله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ). قال الطيبي رحمه الله: «ضرب النبي صلى الله عليه وسلم للمكلف مثلا بالتاجر الذي له رأسمال، فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله ويلزم الصدق والحذق لئلا يغبن. فالصحة والفراغ رأس المال، وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان ومجاهدة النفس ليربح خيري الدنيا والآخرة». ويقول ابن الجوزي رحمه الله: «من استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون». وثمة بون شاسع وفرق كبير -إخوتي- بين الرابح الذي تكبره أنفس وأعين من حوله، والخاسر الذي ينفض الناس عنه ولا يأبهون به. ولا يخفاكم -قرائي الكرام- أننا على موعد مع وقت شريف ومدة مليئة بمنن الله ومنحه، ألا وهو شهر رمضان. فالبدار البدار إلى اهتبال هذه الفرصة، والإفادة من تلك المدة. ولقد طبق مفهوم أهمية الوقت في صدر الإسلام. ومن ذلك: ذكر الطبراني في الجامع الكبير: عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غدا فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسنها. فقال عمارة: فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي، وقال ابن عبدالبر في جامع بيان العلم: عن نعيم بن حماد قال: قيل لابن مبارك: «إلى متى تتطلب العلم؟ قال: حتى الممات إن شاء الله»، وقال سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة». وروي أن أبا الدرداء رضي الله عنه وقف ذات يوم أمام الكعبة ثم قال لأصحابه: «أليس إذا أراد أحدكم سفرا يستعد له بزاد؟ قالوا: نعم. قال: فسفر الآخرة أبعد مما تسافرون! فقالوا: دلنا على زاده؟ فقال: «حجوا حجة لعظائم الأمور, وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور, وصوموا يوما شديدا حره لطول يوم نشوره»، ويقول عبدالرحمن ابن الأمام أبي حاتم الرازي «ربما كان يأكل وأقرأ عليه ويمشي وأقرأ عليه ويدخل الخلاء وأقرأ عليه ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه» فكانت ثمرة هذا المجهود وهذا الحرص على استغلال الوقت كتاب الجرح والتعديل في تسعة مجلدات, وكتاب التفسير في مجلدات عدة, وكتاب السند في ألف جزء. وتدبر أخي المسلم معي ما قاله هذا الحكيم «من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه, أو فرض أداه, أو مجد أثله, أو حمد حصله, أو خير أسسه, أو علم اقتبسه فقد عقَّ يومَه وظلم نفسَه». لذلك علينا أن نستغل الأوقات وأن نجعل حياتنا كلها لله فلا نضيع من أوقاتنا ما نتحسر عليه يوم القيامة فالوقت سريع الانقضاء فهو يمر مر السحاب وفي ذلك قيل: مرت سنين بالوصال وبالهنا *** فكأنها من قصرها أيام ثم انثنت أيام هجر بعدها *** فكأنها من طولها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها *** فكأنها وكأنهم أحلام فلتحسن أخي المسلم استغلال وقتك فيما يعود عليك وعلى أمتك بالنفع في الدنيا والآخرة, فما أحوج الأمة إلى رجال ونساء يعرفون قيمة الوقت ويطبقون ذلك في الحياة. وفق الله الجميع إلى ما يحب ويرضى.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

سهم الإيمان في رمضان

16 يوليه 2013

السنن المنسية

15 يوليه 2013

زينة الصدق

14 يوليه 2013

الهوية الإسلامية

13 يوليه 2013

خطتك في رمضان

12 يوليه 2013

المصالح والمفاسد

11 يوليه 2013