الإثنين 24 ذو الحجة / 26 أغسطس 2019
03:09 ص بتوقيت الدوحة

الإعلام الأسدي.. مقاوم وممانع للحقيقة

الإعلام الأسدي.. مقاوم وممانع للحقيقة
الإعلام الأسدي.. مقاوم وممانع للحقيقة
كل خبر أو معلومة في سوريا معروف مصدرها، إنها قادمة من الأجهزة الأمنية التي تراقب وتوجه كل قلم يعمل في المؤسسات الإعلامية الحكومية، تشرف الأجهزة الأمنية على كل وسائل الإعلام في سوريا، لذلك لم يسمع الإعلام الرسمي السوري بميثاق الشرف الصحافي، ولم يعتمد، منذ ما يقارب النصف قرن، على معيار المهنية الإعلامية خلال جمع ونقل وإنتاج المعلومات، كان دوره محدداً وواضحاً، نشر الأخبار والمعلومات كما تراها الأجهزة الأمنية، عمل الإعلام الأسدي على تمجيد الأسد الأب ومن بعده الابن، ولم يبتعد قيد أنملة عن المهام الموكلة إليه من السلطة الأمنية، وكان أولئك الذين يكتبون ويعلقون على الأنباء، ويتناولون الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أولئك الذين يمكن أن نسميهم تجاوزاً صحافيين حكوميين، كانوا أدوات وأبواقاً بيد الأجهزة الأمنية التي توجههم في كل شيء، حتى النشرة الجوية وأنباء الطقس كانت بحاجة إلى رقابة وموافقة الأجهزة الأمنية، لعب الصحافيون الحكوميون دورهم في نشر الأنباء الملفقة، فزيفوا الحقائق والوثائق وأخفوا المعلومات، وكي يثبتوا ولاءهم المطلق، برمجوا عقولهم على الولاء والفداء بشكل نهائي، فصار الخبر الرسمي معركة وطنية مجيدة، وإخفاء ما يتعرض له المواطن السوري انتصاراً تاريخياً. لا يمكن للصحافي الحكومي في سوريا أن يحترم الحقيقة أو يحترم حق الجمهور أو الشعب السوري، أول واجباته هو تقديس القائد الملهم وتعميم صورته المثالية، وصار شريكاً في الفساد والإفساد. كانت الرقابة شديدة على كل خبر يخرج من سوريا، وكان لا بد من مراقبة مراسلي التلفزيونات والصحف ووكالات الأنباء الخارجية، لذلك اشترطت الأجهزة الأمنية من خلال وزارة الإعلام السورية موافقتها على اسم المراسل، فاختارت الأجهزة الأمنية ووزارة الإعلام أكثر الصحافيين ولاء للحكم الأسدي ووضعتهم في واجهة الإعلام السوري. هرب من الإعلام الحكومي كل الصحافيين السوريين الذين يملكون فكراً ورأياً، بذل هؤلاء أقصى طاقاتهم لتصحيح المعلومات المزورة والملفقة التي تخرج من سوريا، والتي تسيء للشعب السوري وحضارته، دفعوا ثمناً باهظاً لمواقفهم الوطنية، لاحقتهم الأجهزة الأمنية بشراسة، سجنت بعضهم ومنعت الآخر من الكتابة، وجففت منابع الرزق عنهم، فتشردوا أو هاجروا أو سكتوا، عندما كنت تقابل إعلامياً حراً في سوريا فاعلم أنك كنت أمام مخلوق أسطوري خارق في سبيله للانقراض. جاءت الثورة السورية فانقسم المجتمع السوري وانقسم معه الإعلاميون، انحاز الوطنيون لسوريا وشعبها وتاريخها، والآخر بقي مع الأسد، انشق عن الإعلام الحكومي كل من بقي عنده حس وطني، صرح المذيع هاني الملاذي بعدما انشق عن الإعلام الأسدي أن الإعلام الرسمي في سوريا كان شريكاً في قتل المتظاهرين، وقال: «كنا نخون المتظاهرين والمعارضين دون استثناء، ونستفز أهالي الشهداء ومنهم مدنيون ونساء وأطفال وشيوخ، وذلك حين وصفناهم منذ الأيام الأولى بالإرهابيين، ووصفنا شهداءهم بالعصابات العميلة». كانت رقعة الثورة تكبر، وتزداد معها وحشية القوى الأمنية الأسدية، صور الشهداء من الأطفال والنساء والشباب العزل، ومشاهد قتل الشعب السوري تعرض على شاشات ووكالات الأخبار في العالم، خرج شباب سوريا مطالباً بالحرية والكرامة، رفع شعارات السلمية والوحدة والوطنية، لكن إعلام الأسد أصر على أنهم إرهابيون طائفيون حاقدون عملاء لإسرائيل والغرب، وأصر على أن ما تتعرض له سوريا هو مؤامرة كونية تستهدف صمودها وممانعة بشار الأسد، مارس الإعلام الرسمي كل أنواع التضليل والتلفيق والتزوير والتعتيم، عرض اعترافات لشخصيات اعتقلهم بعد أن قتل أو اختطف أقرباء لهم، وأجبرهم على قول ما يريد على يد محققين أمنيين سماهم صحافيين، كانوا شركاء في التحقيق والتعذيب والقتل. عندما كتب بشار الأسد دستوره الجديد بدماء الشباب السوري، وفرضه على الناس، قال الصحافي الحكومي حسن. م يوسف في لقاء تلفزيوني معه: إن الدستور والاستفتاء عليه هو أهم حدث في تاريخ سوريا الحديث، وقال: إنه أصر عندما مارس حقه الديمقراطي في الاستفتاء على الدستور أن يذهب إلى الغرفة السرية ليعلم الشعب كيف يمارس حقه الديمقراطي. الكل يعرف أنه يكذب، وأن الإعلام السوري يكذب، ومع ذلك فهو ممانع ومقاوم للحقيقة، ولكل أشكال المهنية الإعلامية. صار القتل مشهداً يومياً في سوريا، والإعلام السوري يتحدث عن السكن العشوائي، وعن ارتفاع سعر الغذاء في العالم. عمل شباب الثورة على تغطية ما يحدث في سوريا، قدموا أرواحهم فداء الحقيقة، عملوا مع خيرة الصحافيين الميدانيين في العالم على مساعدة الشعب القتيل، واستشهد الكثير منهم على باب الحقيقة، كانوا يزيحون العتمة عن السجن السوري الكبير. ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح.. وإن صبح سوريا لقريب.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.