الإثنين 24 ذو الحجة / 26 أغسطس 2019
03:46 ص بتوقيت الدوحة

الرأي الآخر

مهددون بالاكتئاب والإقصاء ويتزايدون..!!

مهددون بالاكتئاب والإقصاء ويتزايدون..!!
مهددون بالاكتئاب والإقصاء ويتزايدون..!!
هناك فئة لا يتم الانتباه لها يكفيها هالة التقديس والاحترام المحيطة بها، كأنها تزيح عنها صفة الآدمية وتضعها إما فوق الاحتياجات الطبيعية لغرائز البشر، أو بمرتبة المرضى الضعاف العجزة، إنها الأمهات والآباء أو الجدود والجدات. تغير الزمن وتغيرت الصورة النمطية أيضاً عن هؤلاء الكبار، فبدأ العجزة والطاعنون بالسن بالانقراض، ودخل خانتهم المتعلمون المتحضرون ومن عاشوا بصحبة الكتب والمعرفة، ومن حلقت أرواحهم بما أفرزته الحضارة والمدنية ليعيشوا آخر أيامهم محصورين بزاوية ضيقة من تجاوز الزمن واهتمام الأسرة والمجتمع. قد يكون لديهم أبناء وأحفاد، لكن صعوبة التواصل بين الأجيال باعدت بينهم أكثر وأكثر بفواصل فلكية، بتطور التكنولوجيا والاتصالات المذهل، الذي وصل زمننا هذا إلى عزل الأفراد حتى بين الجيل نفسه. كل طفل ويافع وشاب ورجل أو امرأة بيدهم جهاز يفصلهم عن المحيط حولهم ويشبكهم بمن بالخارج، فمن لكبار السن الذين لم يلحقوا تطور هذه الأجهزة ولم تتوالف أيديهم وأذهانهم عليها..؟؟ نفس الجلسة أمام التلفزيون أو الاستلقاء بجوار الراديو، تمر الساعات الأيام الشهور السنين، لا تتغير الجلسة ولا يتقدم الجالس إلا بالعمر والتوغل أكثر في الملل والسأم والانسحاب لذكريات الماضي، ولا عجب أن ذاكرة كبار السن تحتفظ بذكريات طفولتهم وشبابهم وتنسى أحداث الأمس أو الذي قبله..!! الكبار في السن لا يحتاجون أن يوفر لهم من يرعاهم الماء والطعام وخادمة تجالسهم، إنهم يحتاجون أيضاً للزاد النفسي، وليس في التلفزيون والراديو، لكن بالصحبة والخروج، وقد تبلدت أجسادهم وتآكلت جلودهم من الجلوس والنوم. في رأسي صورة رأيتها في دنفر/ أميركا لباص يحمل عجائز وشيبان توقف لدى مطعم بيتزا ونزل منه الجمع، وإذا هم متزينون بالملابس العصرية الوقورة والحلي وأحمر الشفاه على الوجوه المتغضنة يتسامرون ويتضاحكون وقد ضمتهم طاولة كبيرة في المطعم، تناولوا في نهاية الوجبة الآيس كريم المثلج لا يفرقون بنمط حياتهم عن الشباب غيرهم بما يوفر لهم الونس والإحساس بالوقت والأشياء والهوايات والاهتمام بها، إنهم يعيشون حياتهم أيضاً ولم يصبحوا خارج الزمن، لأنهم أدوا وظيفتهم ولم يبق لهم دور سوى انتظار ملاك الموت..!! ومع حلول التقاعد المبكر وارتفاع نسبة العنوسة والطلاق والترمل، ومع اختلاف الأجيال بحكم سرعة تطور وسائل الاتصال وما خلقه من عزله بين الجيل نفسه ليغطس الكبار، وخصوصاً النساء بحكم الموانع الاجتماعية والمنقود والعيب، في بحر الصمت والعجز والاكتئاب والموت وهم أحياء ينبضون، مما يعني انسحابهن تحت جناح الوحدة أكثر من الرجال الذين قد يتسنى لهم الزواج مرة أخرى أو السفر. لو بيدي لكسرت الحاجز الذي يمنعهن من السفر والخروج، ولضربت بيد من حديد على من يحبسهن بدعوى الخوف من كلام الناس أو مجاراة الأعراف، لم تعد هناك البيوت التي تجعل الجدة المتحكمة في قرار أولادها وأحفادها، أو التي تمنح شيبتها حكم أسرته ليحس هؤلاء بتأثيرهم وقيمتهم، بل أصبحوا آخر من يعلم ويعرف، هذا إذا تكرموا عليهم بسرد ما يجري من تطورات. فعلى المجتمع الالتفات إليهم، والنظر لهم برؤية واقعية تجسد واقعهم كبشر، وليس فقط منحهم وشاحاً، كونهم البركة والتقدير، وحبتين على الرأس، وإغفال تام لوجودهم واحتياجاتهم وحقوقهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.