الأحد 23 ذو الحجة / 25 أغسطس 2019
10:17 ص بتوقيت الدوحة

قلة حياء

قلة حياء
قلة حياء
وقّعتُ على بلاغ في إحدى دول الربيع العربي ضد أحد رجال الرئيس المخلوع حيث كان وزيرا للطيران في حكومة سابقة، ثم أصبح رئيسا للحكومة بقرار من الرئيس المخلوع لإرضاء الثورة، ويتهمه البلاغ بتهريب أموال الفاسدين من وزراء وغيرهم للخارج، وبلاغات أخرى تتجاوز 24 ملفا في مجالات متفرقة خلال فترة توليه عدة مناصب في النظام السابق. والأمر إلى الآن يبدو هادئا، لكن ما يثير هدوءه هو أن يرشح ذلك الرجل نفسه للرئاسة! كان مما اتهم به الرئيس المقبل -إن حالفه الحظ وتم انتخابه- بيعه لرجل أعمال مقرب منه 300 ألف متر مربع من الأراضي التابعة لوزارة الطيران المدني بسعر جنيه واحد للمتر، و300 ألف متر مربع لرجل أعمال آخر بسعر جنيه واحد للمتر، وبيعه بالأمر المباشر بدون مناقصة 4 آلاف متر مربع لشركة عالمية وذلك لبناء فندق بصالة المطار، وقام كذلك ببيع الطائرات المملوكة للطيران الحكومي واستبدالها بطائرات جديدة مؤجرة مقابل رهن أصول حكومية، وحوّل دخل الطائرات المباعة إلى ميزانية شركة الطيران كإيرادات تشغيل بدلا من إيرادات بيع أصول ثابتة للتغطية على الخسائر والأموال المنهوبة من الشركة حيث بلغت خسائر شركة الخطوط الجوية الحكومية بمفردها 500 مليون جنيه في ميزانية العام السابق تحت علم جهاز المحاسبة المركزي. وتضمنت البلاغات أن الوزير السابق قام ببناء ممر رابع بالمطار وكذلك برج مراقبة جديد، تكلفتهما مليار ومائتان وخمسون مليون جنيه، رغم وجود 3 ممرات وبرج، مضيفا أن كثافة حركة الطيران بالمطار لا تستدعي هذا الإنفاق، قائلين: إن مطار فرانكفورت بألمانيا به 3 ممرات فقط، رغم أن كثافة الطيران 3 أضعاف حركة الطيران بمطار تلك الدولة. أكثر ما يستفز المرء وهو يستحضر هذا المشهد هو قلة الحياء التي يتبناها بعض رموز الأنظمة السابقة التي كافح الشعب وبذل الكثير لإسقاطها، وإن أكثر ما يسعدني إلى حد ما ذلك التعامل العقلاني الذي يميز ثورات الشعوب، فهي ثورات لتحرير الكل وإقامة أسس العدالة، فلم يتم تأميم الأملاك ولا السطو على الخصوصيات، بل التزمت باتخاذ الإجراءات القانونية بدءا من رفع الأمر إلى القضاء. وإن من سمات الثورات العربية كذلك أن يستغل العنصر الفاسد في الأنظمة المخلوعة سماحة تلك الثورات لينافس الآخرين في سباق الرئاسة، ومع ذلك فإن الثورة لا تمنعه ولا تقمعه، بل تفسح له المجال ليعرض بضاعته، والشعوب بعبقريتها وذكائها الفطري قادرة على التمييز ما بين المعروض. والحقيقة أن الخاسر الأكبر هو المرشح نفسه الذي كلما تمادى أكثر بتلميع سيرته الملوثة كلما تجلت أكثر سوآته وفشلت خططه. إزاء ذلك فإن المرء يظل مستغربا بل متحيرا ألا يتغير شيء في ضمير تلك الرموز الفاسدة والتي توحدت الشعوب العربية لإسقاطها. وإن طول سنوات الصمت العربي على انتهاكات هؤلاء ومعاني العفو والمروءة التي تميزت بها الثورات العربية لم تكن لهم سببا مقنعا في الانزواء وتقديم استقالتهم السياسية والنأي بصمت وخفاء بعيدا عن أضواء السياسة وما تعنيه من ذكريات لا تخدم مستقبلهم. لا تكمن مشكلة هؤلاء الفاسدين في مستوى قلة الذوق والحياء، فضلا عن الثقة العمياء التي تضلهم وتدفعهم إلى إهدار كل القيم التي تقف في طريقهم، حتى ما يتعلق باحترام مشاعر الشعب الذي تسامى في غض الطرف عنهم، لكنها تكمن أيضا فيما نشعره نحن الشعوب العربية من طيبة وسماحة قد تتجاوز معانيها أحيانا إلى درجة السذاجة وتمنعنا من أن نشير إليهم بأوصافهم الحقيقية، ونعلن للملأ أنهم مرتشون وفاسدون. إن خاصية الحياء نعمة ربانية تجمل نخبة من الناس، وبنورها نلتمس حقيقة الإنسانية وبما تحمله من صفاء روحي وسكينة جسدية، وليس كما يعتقد البعض بالدم واللحم تكتمل الإنسانية. وكلما وعى ذلك المرء زادت معدلات حيائه وأيقن أن إنسانيته لا معنى لها بدون الحياء، فهو إذا إنسان قبيح النفس. وإن تحوّل الفاسدين إلى مفسدين بترشيح أنفسهم للرئاسة لن يزيدهم إلا فسادا وجرأة، وقد أفلح أبوتمام حينما سبر حقيقة مشهدهم بقوله: إذا لم تخش عاقبة الليالي.. ولم تستحِ فافعل ما تشاء!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

في سوريا ثورة تفضح الكل

12 فبراير 2012

القذافي حي

04 فبراير 2012

في ضيافة بشار

21 يناير 2012