الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
02:58 م بتوقيت الدوحة

نيكسون آنذاك.. والصين الآن

مينشين باي

الخميس، 16 فبراير 2012
نيكسون آنذاك.. والصين الآن
نيكسون آنذاك.. والصين الآن
عندما بدأ الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون زيارته التاريخية إلى الصين قبل أربعين عاما، فما كان له أن يتخيل ذلك الوحش الذي قد تطلق له مقامرته العنان. بطبيعة الحال، كان التأثير الدبلوماسي المباشر يتلخص في إعادة تشكيل التوازن الجيوسياسي في أوراسيا ووضع الاتحاد السوفيتي في موقف دفاعي. ولكن النتائج البعيدة الأمد التي ترتبت على التقارب بين الولايات المتحدة والصين لم تتضح إلا مؤخرا مع اندماج اقتصاد الجمهورية الشعبية في الاقتصاد العالمي. لو لم يتحرك نيكسون في عام 1972 فإن العزلة التي فرضتها الصين على نفسها كانت ستستمر حتى يومنا هذا، وكان إصلاح دينج شياو بينج وانفتاح الصين على العالم ليصبح أكثر صعوبة. بعد مرور أربعة عقود على «صدمة نيكسون»، لا أحد يستطيع أن يزعم أن الصين لم تستفد بشكل كبير اليوم، فالدولة الفقيرة المكتفية ذاتيا التي زارها نيكسون أصبحت تاريخا قديما، وبفضل العودة إلى الاندماج مع العالم تحولت الصين إلى قوة اقتصادية عالمية. فهي الآن الدولة المصدرة الأكبر على مستوى العالم من حيث حجم الصادرات، وهي الدولة صاحبة ثاني أضخم اقتصاد على مستوى العالم، وأصبح وجود الصين محسوسا في مختلف أنحاء العالم، من المناجم في إفريقيا إلى متاجر أبل في الولايات المتحدة. وبينما نتأمل في التقدم المذهل الذي حققته الصين منذ عام 1972، فإن الفرصة مناسبة أيضا للنظر في الكيفية التي تواصل بها الصين فشلها في التغلب على العقبات الجهازية التي تحول دون تحقيق النجاح في الأمد البعيد. ولأن الصين تُعَد على نطاق واسع الفائز من العولمة، فمن الطبيعي أن نفترض أنها قادرة على إيجاد السبل اللازمة لمواجهة التحديات، ولكن رغم نجاح الصين في تنفيذ السياسات الكفيلة بتعظيم الفوائد لمترتبة على التجارة الحرة (خفض قيمة العملة، والاستثمار في البنية الأساسية، واجتذاب الصناعات الأجنبية من أجل زيادة القدرة التنافسية)، فإن البلاد تظل غير مستعدة لتعميق التكامل مع العالم. ومن بين الدلائل التي تشير إلى هذا افتقار الصين إلى المؤسسات والقواعد الضرورية. على سبيل المثال، أصبحت الصين لاعبا مهما في تقديم مساعدات التنمية الاقتصادية (والتي ترتبط غالبا باستراتيجيتها الرامية إلى الحصول على الموارد الطبيعية). فالآن تجاوزت القروض والمنح التي تقدمها لإفريقيا نظيراتها التي يقدمها البنك الدولي. ولكن الصين لا تعمل من خلال وكالة متخصصة مسؤولة عن مساعدات التنمية الدولية. ونتيجة لهذا فإن برامجها للمساعدات الخارجية تتسم برداءة التنسيق وكثيرا ما تؤدي إلى نتائج عكسية. وبدلا من اكتساب الود فإن هذه المساعدات يُنظَر إليها باعتبارها جزءا من مخطط استعماري شرير جديد لاستخلاص الموارد الطبيعية من الدول المبتلاة بالفقر. ومن بين الأمثلة الأخرى افتقار الصين إلى سياسة خاصة بالهجرة. فرغم أن الصين بدأت في اجتذاب العمالة من مختلف أنحاء العالم، فإنها لم تصدر حتى الآن إطارا قانونيا شاملا يسمح للبلاد بالتنافس على الأشخاص الأكثر موهبة أو التعامل مع التعقيدات التي تنطوي عليها الهجرة الدولية. وهناك مثال ثالث يتمثل في غياب المنظمات البحثية المستقلة. فبسبب السيطرة السياسية وعدم كفاية التنمية المهنية، نادرا ما تتمكن المؤسسات البحثية التي تديرها الحكومة من توفير التحليل العالي الجودة وغير المتحيز فيما يتصل بالقضايا العالمية التي تعتمد عليها السياسات السليمة. ولعل الأمر الأكثر أهمية أن عقدين من النمو السريع للناتج المحلي الإجمالي تسببا في حجب نقاط الضعف الخطيرة على الجبهة الاقتصادية. ولأن الصين لا تزال تفضل رأسمالية الدولة وتواصل تمييزها ضد القطاع الخاص، كما تفتقر إلى الشركات الخاصة القوية القادرة على مجاراة الشركات الغربية العملاقة المتعددة الجنسيات. وباستثناء شركات مثل هيواوي ولينوفو، وربما هاير (وهي الشركات ذات الملكية الجماعية اسميا)، فلا توجد شركات صينية خاصة قادرة على فرض تأثيرها عالميا. حتى الآن، لم تدفع الصين ثمنا غاليا لهذا التوجه. ذلك أن الدور الذي تلعبه في الاقتصاد العالمي يقتصر على عمليات المعالجة للسلع المنخفضة، إلى المتوسطة المستوى، إلى جانب وظائف التجميع. أما الأجزاء الأكثر أهمية وتطورا وتحقيقا للربح من سلسلة القيمة (البحث والتطوير، وتصميم المنتجات، والتسويق، والخدمات، والتوزيع) فتستحوذ عليها الشركات الأميركية والأوروبية واليابانية والكورية الجنوبية والتايوانية. وتعمل الصين ببساطة على نقل وظائف القيمة المضافة العالية هذه إلى الخارج لشركات مثل أبل ووال مارت. لا شك أن الصين لديها شركات ضخمة، ولكنها في واقع الأمر شركات عملاقة مملوكة للدولة وتفتقر إلى الفعالية، وتدين بالفضل في حجمها وقدرتها على تحقيق الأرباح لاحتكاراتها القانونية وإعانات الدعم الحكومية. وربما تتمتع هذه الشركات بالثِقَل اللازم لتنفيذ العمليات العالمية، ولكنها تفتقر إلى الحافز لمنافسة الشركات العالمية، وتستقبل غالبا بقدر كبير من الريبة والتخوف في مختلف أنحاء العالم. إن الصين المتأصلة بعمق في العولمة تحتاج أيضا إلى مجموعة ضخمة من الموهوبين، تضاهي أفضل ما يستطيع الغرب تقديمه. واليوم تفتقر الصين إلى هذا العنصر. ففي حين يعرض عشرات الملايين من الشباب الصينيين قدراتهم الفطرية المبهرة، فإن نظام التعليم العالي في البلاد عاجز عن رعاية هذه المواهب. ذلك أن أغلب المناهج الدراسية عفا عليها الزمن، وتميل نحو تعلم النظريات عن ظهر قلب على حساب مهارات التفكير التحليلي والنقدي الأساسية. ويتسم التعليم في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية بالنقص بشكل خاص، نتيجة للاستثمار الهزيل في هذه المجالات فضلا عن الهيمنة السياسية المفرطة على هذه المناهج. ونتيجة لهذا فإن خريجي الكليات والجامعات الصينية لم يتعلموا إلا القليل نسبيا عن العالم الخارجي في مجالات مثل الأنثروبولوجي وعلوم الاجتماع والعلاقات الدولية والأدب المقارن والتاريخ. وما لم تعمل الصين على إصلاح هذا النظام المتحجر فإن البلاد لن تكون قادرة على إنتاج القدر الكافي من المواهب العالية التدريب القادرة على منافسة أفضل المواهب العالمية وأكثرها تألقا. لا شيء من هذه العيوب (الافتقار إلى المؤسسات والقواعد والشركات والمواهب القادرة على التعامل مع العولمة) يشكل عقبة لا يمكن التغلب عليها. والسؤال الحقيقي الآن هو ما إذا كانت الصين قادرة على إزالة هذه العقبات في ظل نظام الحزب الواحد الذي يعادي القيم الليبرالية التي تلهم العولمة وتدعمها. لعل نيكسون ذاته لم ينزعج كثيرا إزاء طبيعة النظام الصيني قبل أربعين عاما. والواقع أن حقيقة احتياج هذه المسألة الآن إلى العلاج العاجل تشهد على التقدم المذهل الذي حققته الصين منذ ذلك الوقت. ولكن نفس الحقيقة تظهر أيضا أن مسيرة الصين الطويلة نحو الاندماج في العالم تظل غير مكتملة. ? أستاذ الدراسات الحكومية بكلية ماكينا في كليرمونت
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.