الأحد 23 ذو الحجة / 25 أغسطس 2019
11:00 ص بتوقيت الدوحة

في سوريا ثورة تفضح الكل

في سوريا ثورة تفضح الكل
في سوريا ثورة تفضح الكل
محكوم علينا فيما يبدو أن نظل ندور في نظام عالمي لا يعترف بحقوق غير حق القوة. ومحكوم علينا كذلك أن نعيش في نظام عربي فاشل في علاج قضايا أمته. ويجب علينا حينها ونحن نعاصر المشهد السوري الذي يُدمع العين ويُدمي القلب من جهة وموقف تلك الأنظمة من جهة أخرى، أن نعي أن المصالح رجحت على كفة المبادئ وأن الرصيد الأخلاقي للنظام العربي والعالمي قد نفد منه الكثير.. هذا إن كان له رصيد في ظل ما يمارس في أرض الشام من ذروة مراتب الإجرام البشري في مستهل هذا القرن. لم نصل بعد إلى مستوى من السوء أو الحماقة أو الغباء في أن نصدق الدور الذي تلعبه منظمات العالم ومعها جامعة الدول العربية وسنحترم عقولنا هذه المرة لنثبت أن من يتجاهل المذبحة السورية التي يتفنن بها حكم مستبد فهو بلا ريب ضالع في استحقاقات ذلك الدم، ومشارك في تدوين تاريخ أحمر وأسود في آن واحد؛ فهو أحمر بسيل الدماء الطاهرة وأسود جراء الصمت العربي والعالمي. مما لا مراء فيه أن ثورة الفرقان السورية لم تُبقِ جانبا إلا وعرّته.. وأول ما فضحت حجم ضعفنا نحن الشعوب العربية؛ فشلالات الدم تهدر هناك ونحن ما زلنا نبحث عن الأسلوب الأمثل لدعم الثورة السورية فلا مظاهرات منددة وإن حدثت فهي مبتورة، ولا صيحات ولا ضغوط مؤثرة في مجرى قرارات الحكومات العربية والعالمية لاتخاذ موقف حازم يصفد يدي المجرم العاتي. وفضحت الثورة السورية أنظمة عربية قد شردت عن نصرة شعب عربي أصيل نحو إجراءات وخطوات وقائية إزاء تداعيات ربيع عربي لم يكتمل بناؤه فأصبحت بين أمرين إما أن تكون ضد طاغية شره يقتل بحقد ويشرب الدم السوري بظمأ أو أن تتعامل بمعرفتها مع ثورات تكرهها ولا تعرف مآلها. ولا يعنيني في ذلك سحب سفير أو طرد آخر بعد سنة تقريبا من القتل والتهجير فهذا كله نفخ في الهواء.. الثورة أيضا تفضح قصص خيال المقاومة التي نسجها النظام السوري المترنح واستطاع بامتياز أن يوظفها لغايات أخرى أكبر. وسوء تقديرنا لم يسعفنا في تبصر ما يعانيه الشعب السوري من أزمة خفية ظهرت مع الثورة. فتحول من نظام ضد وجود الكيان الصهيوني إلى نظام ضد وجود شعبه. ومن شعارات بعثية قومية خائبة إلى أرض فسيحة لتدخل إيراني فاضح. وبتّ مقتنعا أكثر بما يسمى «الهلال الشيعي». إن الثورة السورية فضحت كذلك منظمة الأمم المتحدة وهي بذلك تعني أنها منظمة قائمة على شريعة الغاب، فالأقوى هو الذي ينتصر والضعيف -وإن كان على حق- فله خياران إما أن يلجأ إلى قوة عظمى متسلطة أو أن يقدم قربانا يقنع العظماء، وأن المصالح الغربية والأميركية والروسية والصينية لم تصل بعد إلى حد التشبع كي تنصر شعبا يباد، وأن مبدأ الديمقراطية الغربية وحكم الأغلبية يقف عاجزا أمام «فيتو» المصالح! كما أن الثورة تعرّي كلا من إيران وروسيا والصين.. إيران تتحول من دولة تدعم مقاومة الشيطان الأكبر إلى دولة طائفية حتى النخاع. فلا ثورة تعلو الثورة الخومينية وإن كانت لنيل الحرية وضد الاستبداد. أما روسيا فقد التزمت بتعقب سيرة الدب الأحمر وإن أكثر ما يميزه انعزاليته وشرهه ونهمه للأكل فهذه الصفات وصفقات الأسلحة مع إيران والنظام السوري كانت أشد وقعا عليها من الضمير الإنساني. أما الصين فشعار الحزب الشيوعي القائم على أمر الجمهورية والمتضمن اللون الأحمر الذي يرمز إلى دم الثورة والمنجل والمطرقة اللذين يرمزان إلى العمل لم يُثِبْها إلى رشدها، وإن ثروة 45 مليار دولار حجم تجارتها مع إيران أحق من كل حق. والثورة كشفت العلاقة الخفية المتوترة ما بين الحكومة التركية والجيش التركي. وهو الدافع الرئيس في ارتباك الموقف التركي إزاء الثورة السورية، والذي خلق حالة غير مفهومة في تعاطي الأتراك مع الشأن السوري.. ومن الشواهد على ذلك اعتقال وملاحقة بعض قياديي المعارضة السورية في تركيا. وهو ما يفسر موقف أردوغان الساعي إلى الموازنة ما بين الإرادة والقدرة.. وهذا لا يقلل من أهمية الدعم اللوجستي المشكور للثورة السورية. قصة الثورة السورية لها ذيول وتفصيلات عميقة.. لكني أرى فيها كثيرا من الأمل والمستقبل الواعد للشعب السوري وللمنطقة قاطبة، وإن كان المرء يشعر بالأسى والحزن على ما يراه من وحشية لا توصف، فالتاريخ يشهد أن الأمم لم تسترد حقوقها إلا بتضحيات مختلفة.. ولسوء الحظ أن يكون من بينها دماء وأشلاء. وسواء تعاون الجميع على نصرة الشعب السوري أم تخاذلوا فإن النصر قادم لا محالة ولكن بطعم خاص وهو نصر الله وحده وما أجمل نصر الله.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

قلة حياء

03 مارس 2012

القذافي حي

04 فبراير 2012

في ضيافة بشار

21 يناير 2012