الأحد 23 ذو الحجة / 25 أغسطس 2019
10:03 ص بتوقيت الدوحة

سنة حلوة يا مصر الثورة

سنة حلوة يا مصر الثورة
سنة حلوة يا مصر الثورة
لا أحد منا كعرب يجرؤ أن يعتكف بعيدا عما يجري في عالمه العربي شرقا وغربا شمالا وجنوبا، وبخاصة عن عمق عربي نابض وهو أرض الكنانة مصر الثورة. حيث سطرت أجمل بطولات ومعاني الثورات العربية إزاء شتى التحديات التي هي مصدر قلق وإزعاج لثورات الربيع العربي سواء على الصعيد المحلي أو الخارجي. ولكن بحكمة المصريين وصبرهم وطيب معشرهم أسقطوها في مهدها. وإن كانت للمجاهدة مذاقات مختلفة لنيل الحرية، فإن أجمل ما تبدى في الثورة المصرية هو الجهاد النفسي حيث ذروة مراتب الصبر والمرابطة. أدري أن ما جرى من أمور وأحداث عقب خلع الرئيس حسني مبارك كثيرة، فمنها الفلول من بقايا النظام التي لم تبرأ جراحها ولم تعي هول النازلة بعد، فأضحت تستخدم مختلف الأدوات لضرب الثورة وعرقلة مسيرتها. وهناك تدخلات خارجية عربية وأجنبية باستخدام الحجر والبشر لتحجيم أهداف الثورة، إضافة إلى الافتئات على الاستفتاء الشعبي بشأن نقل السلطة بحجة أمية وقلة وعي الشعب، وأطماع ومغالبة من المؤتمن على فيء الثورة -المجلس العسكري- لاقتناص فرصة الحكم واقتسام شيء منه بحجة حماية الدولة المدنية ضد الدولة الثيوقراطية «الدينية». وهناك أبواق أخرى مشحونة بتطرف فكري وإعلامي تسير عكس إرادة الشعب، ومحاولات مريرة لسن قوانين فوق دستورية يقودها الجمل والسلمي، ولعبٌ بأوتار حساسة كالطائفية وحقوق الشهداء، ومظاهرات فئوية وشح وقود وغاز «البوتاجاز».. وفي كل مشهد يشعر المرء أن الثورة قد فشلت أو تسير إلى هذا النحو، وحينها يتمنى لو لم تقم أصلا، ولكن بالجهاد النفسي والمصابرة التي يتميز بها الشعب المصري استطاع أن يتجاوزها بامتياز يستحق التحية. كنت قريبا من الثورة المصرية وعشت أحداثها يوما بيوم، وحضرت أغلب مظاهراتها في ميدان التحرير، ولم أستغرب التأثير الفاعل لتلك المظاهرات الحية على سلوك الحكومة وتغيير سياساتها وقراراتها بشكل لافت للنظر، كيف لا والشعب توحد على مطالبه. ولكن الذي أستغربه وأنا في وسط بحر هادر من البشر أن يتخلل ذلك روح الأخوة والالتحام والمرح وسط المخاطر، وتنوع طائفي وفكري قل ما نجده بين الشعوب العربية، فضلا عن تلون برامج الفعاليات من تكبير وأهازيج وأناشيد وأغان وطنية، وتداخل أصوات وشعارات القائمين على المنصات المشيدة في ميدان التحرير من مختلف المشارب والأفكار. لا أخفي أن للثورة المصرية بعض المثالب التي لا تنكّت الثورة المصرية بل تقلل من جمالها، خاصة من قبل النخب المتشددة التي تترنح بتميزها الليبرالي أو الديمقراطي، فأضحت خلال السنة الأولى من عمر الثورة بتصيد ترهات أو سقطات شخصية قيلت في لحظة انفعال أو تدني تجربة. ولن أخفي كذلك دور بعض رجال الأعمال لثني توجهات الشعب وحرفه عن استحقاقات الثورة، وأشير هنا كذلك إلى تصريحات بعض الشخصيات المتشددة من الإسلاميين والتي كانت وقودا لتوتير الرأي العام والتخويف من الثورة المصرية. على صعيد آخر، فإنني أستغرب الغمز الذي عبرت عنه بعض الحكومات العربية خاصة منها بعض الدول الخليجية، عن طريق كتابات متحاملة وموجهة أو موقف رسمي يتلكأ في تقديم الدعم للثورة المصرية، حيث لا أجد مبررا لذلك التشويه أو التضييق المعنوي والمادي، خصوصا أن الذي صنع الثورة ليس انقلابا يمكن محاصرته أو احتلالا يمكن طرده، وإنما شعب بغالبيته اهتدى لبيع نفسه مقابل ثمن حريته النفيسة، وليس من الحكمة أو المروءة أن يعاقب لذلك، علما بأنني أشك كثيرا أن يوجه ذلك الغمز والتضييق لو كانت تلك الثورة خارج حدود مصر. لا مفر من الاعتراف أن القادم على الثورة المصرية أعظم مما مضى، وأنني أشفق على من يحمل تلك الأمانة، حيث البطالة التي تجاوزت أعلى معدلاتها، والفقر المستشري الذي لا يقل في أحسن حالاته عن %40 متزامنا مع أمية في نفس الحدود وانخفاض واضح في دخل السياحة وإقبالها، وفساد يجثم على كافة أنفاس الحياة المصرية، واقتصاد يواجه مصاعب عديدة، وصناعات استراتيجية أفسدها وجمدها النظام السابق، وصناعات أخرى صغيرة غير منافسه لغياب الدقة والإتقان، وإعلام احترف التهويل والتضليل ويرسم صورة واحدة دون هموم الشارع المصري، وفن بدون هوية، وهوية بلا رؤية مشرقة تتبناها. بذات القدر فليس من الأمانة في شيء أن نصف الشعب المصري وهو يصنع تلك الثورة العظيمة بأنه ليس بوسعه أن يكمل مسيرته أو أن يدير بحكمة ثرواته البشرية والعلمية والطبيعية والتراثية والاستراتيجية، أو نبتدع حديثا بأن الحكومة القادمة قد وقعت في فخ عميق لا فكاك منه، أو نعتقد أن ما تواجهه مصر من التزامات مالية تحجم مسيرة الثورة والحرية، فذلك هراء في عالم الثورة المصرية التي رسمت طريقها وحددت رؤيتها. ونمت وتكاثرت بحوث النهوض بمصر الحضارة، بل بالعالم العربي ككل، فالأمر جلل والشعب المصري أجلّ من أن يحار في دربه أو أن يقف مشدوها إزاء التطور والإبداع دون أن ينهل منه.. فكانت البداية تراتيل وأنغاما وانسجاما ديمقراطيا لأول مجلس شعبي منتخب بنزاهة، تصدرت أول اجتماعاته هموم المجتمع المصري وشهداؤه، وليس زيادة مكافآت أعضاء البرلمان كما يهتم البعض. ليس من الود والوفاء ومصر تحتفل بغروب شمس الفساد والاستبداد عن ترابها واستشراف سنة جديدة من عمر ثورة شعبية إلهيّة لم تدر ببال أَفْقَه المنظّرين، وتحتضن من العبر الكثير، ألا أن نحتفل معها ونشاركها دعاء وغناء. ولا أعرف من هؤلاء الذين يستشعرون الندم بسبب ما جرى في مصر الاستبداد –ما قبل الثورة- وشرعوا في محاورة الشيطان لتشويهها وترويضها، لكنني أحب أن ألفت نظر الجميع بأنني لست منهم ولا يشرفني أن أصطف معهم، ولن أكون إلا داعما لمصر الثورة وحرية الشعوب العربية.. ولن ينسيني حزني على ذلك أن أقول: سنة حلوة يا مصر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

قلة حياء

03 مارس 2012

في سوريا ثورة تفضح الكل

12 فبراير 2012

القذافي حي

04 فبراير 2012

في ضيافة بشار

21 يناير 2012