الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
06:02 م بتوقيت الدوحة

في ضيافة بشار

في ضيافة بشار
في ضيافة بشار
وقعت عيني على لقاء صحافي مع الشيخ أنس سويد الذي اشتهر بشيخ باب السباع بمدينة حمص المحاصرة، حيث تطرق الخبر حول اللقاء الذي تم بينه والرئيس بشار الأسد، وأهم ما جاء في اللقاء ما يلي: «اللقاءات التي حضرتها مع الرئيس خلال الثورة كانت ثلاثة لقاءات: اللقاء الأول في أبريل 2011، وكنا نحو عشرين من علماء حمص وتكلمنا معه لأربع ساعات ونصف الساعة، واللافت أنه كان يظهر الاستغراب في كل شيء! حدثناه عن ممارسات الأمن والشبيحة، والحاضرون ذكروا له كل شيء بالتفصيل وكان يسجل الملاحظات بنفسه، اللقاء انتهى إلى عدم وعدنا بأي شيء، وطلب منا أن نساهم معه في تهدئة المظاهرات حتى تترتب الأمور، وخرجنا من عنده بلا نتيجة. في اللقاء الثاني أرسل الرئيس يطلبني لوحدي فسلم علي ورحب بي. بدأ الرئيس حديثه بالدعوة إلى تهدئة المظاهرات، وكان يقول إنه يعلم أن كل المشاكل سببها ممارسات الأمن والمخابرات والشبيحة، قائلاً «إذا كان لديك ألف صورة في ذهنك ففي ذهني عشرات آلاف الصور، فلا تحدثني عن الممارسات السلبية وأعرف أن الحل هو سحب الأمن، لكنني لا أستطيع سحب الأمن إلا بعد تهدئة الشارع.. فسألته: سيادة الرئيس ما هو الضامن؟ -يقصد في حالة وقف المظاهرات ما هو الضامن لعدم التعرض للناس- فقال: هذه هي المشكلة أن الثقة فقدت. فقلت له: الحل سياسي وليس بأن نخرج للناس لتهدئتهم، فجاوبني: أنا نظرتي للمشايخ خطأ وكنت أخاف من صاحب كل لحية والمحجبات، ومرة ذهبت إلى حلب وجلست في المطعم فوجدت نساء كلهن محجبات، فقلت: شو أنا بأفغانستان؟! بعدها سألت الدكتور البوطي عن سر الحجاب الكثير في حلب هل هم طالبان أم القاعدة؟ فأجابه البوطي: أن هؤلاء أناساً متدينين على الفطرة. ثم سألته: ماذا إذا ذهبنا للناس وضغطنا بكل قوة لوقف المظاهرات، وهذا أمر يحتاج ربما لشهر، ولكن لن ينجح ما دام هناك شهداء يسقطون كل يوم، فهل عندكم مجال، على الأقل استبدال الرصاص الحي بالمطاطي. فأجاب: المشكلة أن الاقتصاد عندنا منهار، بعد ذلك طلبت من الرئيس أن أتحدث بأريحية وأن يعطيني الأمان وأبلغته أن فروع الأمن حاسبتني على ما قلته أمامه في المرة السابقة، فضحك وقال: المهم ما يحاسبوني أنا، فقلت له: سيادة الرئيس الناس يتساءلون في الشارع: هل رئيسنا يملك القرار أم أنه عاجز، فقال: ما السبب؟ فقلت: أنت تقول إنك لم تعطِ أوامر بالقتل لكن القتل مستمر لماذا لا تعاقب من يعصون الأوامر. فأجابني بطريقة صدمتني وقال: أنا عاقبت عاطف نجيب اللي قلع أظافر الأطفال، وعاقبت ابن عمي في اللاذقية جميل الأسد، وعندما تحركت بانياس عزلت زوج بنت خالتي، والله عندما عزلته اتصلت خالتي وعمرها كبير وعاتبتني ووعدتها بأن أعيده لمنصبه بعد أن تنتهي الأزمة، واتصلت الوالدة للأمر نفسه. أيضاً سألته عن سبب إرسال أكثر من مائتي دبابة لبابا عمرو عاثت فيها دماراً، فجاوبني: هناك عصابات مسلحة، فقلت له نحن سمعنا كما سمعتم فهل ألقيتم القبض عليها، فقال إنها هربت والمشكلة أننا عندما نرسل الجيش لمكان تهرب هذه العصابات لمكان آخر.. انتهى. ما يثير الدهشة ويبعث على الحزن أن الرئيس يعيش في عالم افتراضي غير عالمه، عالم يطمح من خلاله إلى تحقيق أهدافه الخاصة وطموحه بالبقاء على سدة الحكم ولو أدى ذلك إلى أفواج بل آلاف من القتلى والمهجرين والأيتام ومشردي الشوارع ومهجري الشبيحة، فضلاً عن نساء مرملات وجزء آخر يحرق القلب وهن حرائر الشام المغتصبات. إن بشار الابن البار واصل الرحم يعي جيداً كيف يرضي أمه وخالته وأرحامه ولم يسعفه الوقت، وهو يتجلى في إرضائهم أن يلتفت قليلاً لشعب فقد أرحامه وأطفاله الذين فطموا قسراً وجوراً عن أمهاتهم المستشهدات، وعائلات قطعت أوصالها أجهزته الأمنية وشبيحته، وآباء فقدوا أبناءهم، وبقايا أطلال منازل هُجّر عمارها، وكأن البر المستشري في أنف وعين ومسمع بشار لا يتواصل عنده إلا على قطع أرحام الشعب وتشتت أركان أسره. وقمة سعادة الرئيس حينما لا «يزعّل» أمه وأرملة الرئيس السابق أبيه فهو نِعم الولد البار لأمه، وأقسى قلب رئيس على شعبه! لم أستغرب إبداعات الرئيس بشار حينما نفى علمه بممارسات قوى الأمن وشبيحتهم في اللقاء الأول، ثم هو بعد ذلك أضحى يعلم كل شيء، لقد شابهنا فكنا لا نعلم حجم إجرامه قبل الثورة السورية، ولكن أصبحنا نعي هول إجرامه و «شوفونيته» الآن. فهو -عوضاً عن تمثله بعظماء التاريخ محرري شعوبهم- تمثل بجندي فرنسي أحمق يدعى نيكولاس تشوفين -اشتقت من اسمه الشوفونية- الذي أبدى إعجاباً أعمى بقائده نابليون الأرعن الذي أهلك جيشه، وإن اختلفت «شوفونية» بشار عن قدوته الجندي الفرنسي بإعجابه منقطع النظير بنفسه لا بشعبه، وهي أعمق حفر الشوفونية! ولكن عدم استغرابي لم ينفي إحساسي بسذاجة شوفونية -سذاجة عمياء- إن صحت، حينما تجاهلنا فترة من الزمن استبداده لشعبه واقتنعنا نحن الشعوب العربية بخطاباته القومية البليغة في مختلف المحافل التي تلبس من خلالها بلباس المقاوم رافع لواء ضمير العروبة، فأصبح الديك أوعى منا في كشف مكر الثعلب كما بين شوقي في شعره. أحلام الناس معلقة على اللافتات، ولكن لا شيء تحقق على أرض الواقع في الشأن السوري. هذا ما تلمسه من خلال تلك المقابلة فالشيخ يسأله عن هموم الشارع السوري آهاته أناته آماله وتطلعاته، وهو يتكلم عن تصوراته ورأيه في الحجاب واللحية، وكيف هو أخطأ بنظرته للمشايخ وفتيات حلب المسلمات المحجبات، ما استدعى الأمر استدعاء مرجعه المعتمد الشيخ الدكتور البوطي ليجيبه عن سؤاله: هل الشعب السوري العريق الذكي المسالم الذي امتطى حكمة معاوية وصبر أيوب في التعاطي مع أتعس فترة حكم تمر على سوريا في العصر الحديث، هل هذا الشعب تابع لطالبان أم القاعدة؟! ولكن ليس وارداً في قاموسه أن يسأله كيف يلبي أحلام الشعب المعلقة على تلك اللافتات. على هامش هذه النقطة أقول إن الرئيس أخرج من جعبته أنه لا يعي حقوقاً غير حقوقه، ولن يسمح للشعب السوري أن يلبس أو يتخلق أو يتنكب الطريق غير الذي يراه الأخ الرئيس، وقد اعتقد أنه فرعون زمانه «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد». وهو يفتخر بأنه تابع لمملكة الأسرة الأسدية التي تخلت عن كل شيء من مرجعياتها إن كانت لها مرجعية أصلاً. واختزل تاريخ وحضارة شعب وبلد عريق مفعم بحضارات شتى ويحتضن مدينة كدمشق تعد من أقدم مدن الدنيا إن لم تكن أقدمها، في حقبة أربعين سنة ملطخة بالسواد والدم. إن تتبعنا اللقاء في عمقه فسنجد تنوع النفوذ في حكم سوريا بين أسرة يشارك في حكمها رؤساء كثر أم وابن وأخ وأخت وخالة وابن خالة وغيرهم لا نعلمهم، ونفوذ أمني يوتر الرئيس ويقلقه، وواجهات دينية رسمية مستأنسة تحاول أن تتصدى للغالبية بحجج دينية وشرعية متعثرة. ما أريد أن أقوله في هذا المشهد إن بشار يعاني من معوقات شخصية ومعوقات خارجية فأما الشخصية فهي، مرض يسوده سوء الإدراك والاتصال والتناقض والخداع والأنانية وإنكار الغير. ومعوق آخر ولكن خارجي مصحوب برعب لا يغادره وهو نفوذ الأسرة والأجهزة الأمنية التي يقودها بصمت أخاه ماهر ومتزامن مع نفوذ إيراني لا تخطيه العين. وأما عن المعيق الخارجي الثاني لبقائه فهو ذلك التدهور الاقتصادي القاسي بفعل الثورة، والمعيق الثالث والأخطر على استمرار عرشه ولا يملك وقفه تلك القلوب الهادرة التي لن تنام قريرة العين أبداً إلا بسقوطه. مطلوب من المجلس الوطني السوري أن يفتح عينيه جيداً، فإزاء هذه الضغوط التي يواجهها بشار فهو مستعد أن يضحي بكل شيء من أجل الحفاظ على كنز الشام. وهو يسير ولكن ببطء نحو مسيرة القذافي متوشحاً خيانات داخلية وخارجية، ولن يتوانى أبداً بهذه النفسية «الشوفونية» بأن يضحي بالبلد كاملاً خوفاً من تلك النفوذ ولو كان من أجل رضا أمه المصون. Jalsh_555@yahoo.com •
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

قلة حياء

03 مارس 2012

في سوريا ثورة تفضح الكل

12 فبراير 2012

القذافي حي

04 فبراير 2012