الأحد 14 رمضان / 19 مايو 2019
12:15 م بتوقيت الدوحة

يحدث في مدارسنا

يحدث في مدارسنا
يحدث في مدارسنا
قد سمعتُ مهاترات وانتقادات كثيرة بين الفينة والأخرى من قِبَل أولياء الأمور، بخصوص مدارس الدولة ومعاناة التسجيل والاندماج، ومناهج التعليم.. وغيرها كثير. ولكن ما حصل أمام عينيّ من ظلم، قد استقبحته في أي بشر كان، لاسيَّما إن كان هذا الظلم من معلمات وأمام أولياء أمور. كوني أكبر الأخوات، أرسلتني أمي لمدرسة أختي الصغرى لحضور ما يسمى بالـ «معايشة», حيث تحضرُ وليات الأمور -حيث إنها مدرسة بنات فقط- ويدخلن الصفوف الدراسية، ويعايشن بناتهن في تلك الصفوف. لا أعلم المغزى من وراء تلك المعايشة، وما الهدف منها... ولكن لذلك سياقٌ آخر. دخلت الفصل الدراسي، وجلست أنا وبعض أمهات أخريات في آخر الفصل. وبدأت حصّة العلوم, كانت الطالبات متفاعلات مع المدرسة، ويتجاوبن مع أسئلتها ومشاركاتها. انتهت حصة العلوم، ودخلت مدرسة اللغة العربية. منذ أن دخلت الفصل، عرفت أن تلك المدرسة -رغم صغر سنها- تنتمي لجيل قديم جداً من المعلمات والـ «مربيات». دخلت واستشاطت غيظاً وبدأت تزأر على فتيات الصف السادس الابتدائي . سكتت الطالبات ووقفن ثم رددن السلام عليها. ما لبثت أن بدأت بانتقاد الطالبات: هذه لها صوت عال، وتلك لا تجاوب عن الأسئلة إلا وهي جالسة، فلا تحصل على العلامة كاملة... ومن هذا القبيل من الأسلوب التافه المتناقض في نفسه ومن نفسه. كدت في ذلك الوقت أن أرد تعليقاتها التافهة عليها، ولكني لم أرَ داعيا لذلك, حيث إن الطالبات حاضرات، ولا يجوز لي انتقاد مدرستهن أمامهن. أحضرت نصا يتضمن الأسماء الخمسة, ومن جهلها أتت بنص كاد أن يكون قصصيا، لولا أنها أخطأت في ترتيب الكلمات فأصبح النص مخالفا للعقل وانعدمت القصة فيه. نبهتها إحدى الطالبات لذلك، وأشارت إليها بأن اسكتي وإلا! فأعادت عليها طالبة أخرى التعليق وصححت النصّ فثارت عليها غضبا. التفتُّ لإحدى وليات الأمر الجالسات في الخلف معي، وعلقت على أسلوب المدرسة فردت علي بالعامية: «أحسن، يستاهلون, ما يجون إلا بها الأسلوب». إلى تلك النقطة، الموضوع لا يثير الاهتمام, إحدى المدرسات قاسية وغير متفهمة, لا يهم. ولكن ما حصل بعد ذلك أثار حميتي, حيث أخطأت المدرسة في الكلام، وانفجرت الفتيات بالضحك. كانت هناك إحدى الفتيات جالسة في الزاوية الأمامية في الفصل، وكانت أمامي مباشرة تلبس نظارة طبية متينة للغاية، ويحفها هدوء جذب انتباهي لها منذ أن جلست. كانت يهتز بالضحك رأسها حين تسمع الطالبات يضحكن، ولا تتحرك من مكانها أبداً، في حين أن الباقيات كنّ يتحركن باتجاه السبورة أحيانا، وأحيانا باتجاه الطالبات الباقيات. فجأة، ومن دون سابق إنذار وقفت المعلمة أمام كرسي تلك الطالبة الهادئة، وصرخت عليها بأن تقوم وتذهب للـ «اختصاصية» -التي كانت تهدد الطالبات المشاغبات ومن ضمنهم أختي الصغيرة بها- فتجمدت الطالبة ولم تتحرك. هدأ الفصل واستمرت المدرسة في نعيقها: قلت لك اخرجي واذهبي للاختصاصية. استمرت في وقفتها ولم تتزلزل. الطالبة كانت تبتسم بهدوء عجيب، وكأن الذي يحدث حولها لا يخصها. الصف ما زال هادئا والطالبة لا تتحرك والمدرسة «متخصرة» أمام الطاولة. بعد نحو ثلاث أو أربع دقائق، اتجهت نحو إحدى الطالبات، وأمرتها أن تنادي الاختصاصية. وبقي الفصل على ما هو عليه من القلق والهدوء المشحون. أنا كنت أتعجب من مضيعة الوقت الدراسي على طالبة لم تكن في الأساس مشاغبة, ولم يكن لدي أي انتقاد إلا على نظام التدريس الفاشل لدينا. دخلت الطالبة التي قد ذهبت لتحضر الاختصاصية للفصل، ولحقتها الاختصاصية بعد أن أومأت المدرسة نحو الطالبة، قالت لها الاختصاصية: ماذا فعلت فلانة؟ أي الطالبة, فأجابت المدرسة بأنها كانت تضحك, فردت عليها الاختصاصية بتعجب أن هذا التصرف لا يليق بتلك الطالبة لأنها هادئة. أخذت الاختصاصية الطالبة خارج الفصل وانتهى الموقف على ذلك. وبعد بضع دقائق أخرى رجعت للمنزل. بعد أن رجعت كنت أحدث أمي بالحادثة بتعجب أن الطالبة لم تتحرك رغم أن المعلمة كانت تهددها، وأنها كانت تبتسم، وعن أن الاختصاصية تعجبت من انتقاء المعلمة لتلك الطالبة بالذات كمثال لباقي الطالبات، وسمعت أختي الصغرى كلامي في الطالبة الهادئة. قالت لي إن تلك الطالبة لديها صعوبات عقلية، وإنها لم تضحك إلا لأنها رأت الباقين يضحكون. وأكدت لي أنها فقط تقلد الطالبات فيما يفعلن، وأنها ليست مشاغبة ولا تتحرك ولا تتكلم البتة. كدت أن أنفجر غضبا عندما سمعت كل ذلك! سألتها إن كانت المدرسة تعرف أن الطالبة تواجه صعوبات عقلية فأكدت لي أنها تعرف. وضحكت وقالت: «مصيبة لو تدرسها ثلاثة شهور ولا تعرف!». نعم، مصيبة. كيف لمدرسة أن تتخذ هذا الأسلوب القاسي والبدائي؟ وكيف لها أن تتخذه مع طالبة -في الأساس- تواجه صعوبات عقلية واضحة من نظاراتها الطبية المتينة وابتسامتها الجاهلة بما يحدث حولها, تلك المدرسة الجاهلة القاسية التافهة لا بد أن تُحرم حق التدريس. لا يحق لمن مثلها أن تتولى أمر فتياتنا، ولاسيَّما المبتليات من الله تعالى بمرض عقلي. ألم تستطع تلك المدرسة التي لا تخاف الله عز وجل أن تطرد إلا أضعف تلك المجموعة من الطالبات؟ والله لو أنها طردت أختي الصغرى لما كتبت هذه المقالة ولا حملت هم التعليم. ما أصابني بالفزع هو كون هذا الموقف محتكراً على تلك المسكينة، التي لم تعرف كيف تتصرف في تلك اللحظة. حسبي الله ونعم الوكيل. إدماج أبنائنا الذين يواجهون صعوبات عقلية مع غيرهم من الطلاب أمرٌ سليم وليس فيه ضيم, ولكن لا بد من تأهيل المدارس والمدرسات لاستقبال هؤلاء الطلبة. وإلا فالخوف من تكرار مثل هذا الموقف مع طلاب آخرين.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

بمناسبة تخرجي

16 مايو 2012