الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
11:10 ص بتوقيت الدوحة

يا منصف الموتى من الأحياء

جلال عامر

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2011
يا منصف الموتى من الأحياء
يا منصف الموتى من الأحياء
في الأسبوع الماضي حدثت في مصر واقعة غريبة؛ إذ ظهر المهندس «عبدالمنعم الشحات» المتحدث الرسمي باسم الجماعة السلفية في مصر في وسائل الإعلام فجأة ليهاجم المرحوم الأديب الكبير «نجيب محفوظ» ويقول إن رواياته فسق وفجور ومخدرات، ومع عظيم الأسف خرست ألسنة الأدباء والمثقفين وحتى تلاميذ «نجيب محفوظ» وحوارييه ولم يفتح الله عليهم بحرف واحد ليدافعوا به عن أستاذهم الذي أسهم في وضع بذور الاستنارة على الطريق؛ لذلك رأيت أن من واجبي أن أعمل بالشطر الثاني من بيت الشعر الذي كتبه أمير الشعراء «أحمد شوقي» في رثاء شاعر النيل «حافظ إبراهيم» (قد كنت أرجو أن تقول رثائى/ يا منصف الموتى من الأحياء) وقلت ندفع للطبيب ثمن النصيحة ولا نعمل بها فما بالك بالنصائح المجانية، وأول نصيحة سماوية لأهل الأرض «اقرأ» لكننا لا نفعل، ومن جمال العلم يقال إن لكل قاعدة استثناء حتى هذه القاعدة فليس بالضرورة أن كل خواجة اسمه «جون» فقد درست «الفلسفة» مثل أستاذي نجيب محفوظ لكنه حصل على «نوبل» وحصلت أنا على «معاش».. وللمتربصين من المتعصبين أؤكد أن هذا ليس كلاماً في السياسة لكنه كلام بالأدب عن الأدب، فبعد الهجوم القاسي للمهندس «الشحات» على نجيب محفوظ تذكرت يا منصف الموتى من الأحياء أن له رواية اسمها «الشحات» (الشحاذ) يقول «نجيب محفوظ» في الرواية (احترسوا فأحياناً يرتدي العقرب ثياب ممرضة ويصبح الذئب حارساً للدجاج) ويصرخ الصديق عثمان في وجه «الشحات» المشعوذ (لن نبلغ أى حقيقة إلا بالعقل والعلم والعمل) ولكنه لا يستمع إلى النصيحة إلا بعد فوات الأوان، ولأن «شحات» الرواية ابتعد عن معطيات العصر وخاصم حقائق الكون وارتد إلى الماضي السحيق يقول له محفوظ في الرواية: «ليس طريق الإيمان أن تهجر العالم لأنك عندما تهجر العالم تكون قد هجرت الله» فمن الذي ابتعد عن الله الذي تفاعل مع الدنيا أم الذي أنكرها وحرمها؟ يقف «الشحات» في الرواية يتأمل «الأهرام» ويتمنى لو أزالها (بالضبط كما يتمنى شحات هذا العصر إزالة الآثار والتماثيل) ويتردد بين التشدد والصراحة، وفي آخر صفحات الرواية يسقط «الشحات» سقوطاً مدوياً بسبب اضطراب أفكاره وإنكاره للنصائح (راجع الرواية) ويصرخ وهو يسقط (إذا كنت تريدني فلماذا هجرتني؟).. يسقط حائراً بين التشدد والصراحة.. حقاً لماذا هجرتني ولماذا هجرنا القراءة وانتقلنا من القراءة للجميع إلى الكتابة للجميع، وشغلنا الدنيا ليس بالاختراعات ولكن بالتصريحات. اختار نجيب محفوظ لبطل روايته اسم «عمر حمزاوي» ربما ليصنع بإحساسه المرهف تناقضاً يوضح اتجاهات الظلام وزوايا الإضاءة. فالذي حدث الآن بعد وفاة نجيب محفوظ بسنوات أن «عمرو حمزاوي» الباحث الاستراتيجي المستنير نجح في الانتخابات بينما سقط فيها «الشحات» سقوطاً مدوياً وهو يهمس لرفاقه (إذا كنتم تريدونني فلماذا هجرتموني) وفضح الجميع وهو يصرخ في لحظة السقوط (لست الأكثر تشدداً لكنني الأكثر صراحة).. وإن من البيان لسحراً.. وإن من التاريخ لعبرة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ماذا حدث في بورسعيد؟

07 فبراير 2012

استدعاء «نانسي عجرم»

31 يناير 2012

القضاء والقدر

24 يناير 2012

التاريخ يعيد نفسه

17 يناير 2012

نائب الرئيس

10 يناير 2012

بين الحقيقة والخيال

03 يناير 2012