الإثنين 24 ذو الحجة / 26 أغسطس 2019
04:21 ص بتوقيت الدوحة

ملاحظات على رواية «القرصان»..

هلا العلي

الثلاثاء، 06 ديسمبر 2011
ملاحظات على رواية «القرصان»..
ملاحظات على رواية «القرصان»..
تأخذنا رواية «القرصان» لكاتبها عبدالعزيز آل محمود إلى عوالم تموج بالحركة والإثارة بين الخلجان والصحاري، ومرافئ تفوح منها روائح البشر لتختلط بتوابل شركة الهند الشرقية وخمر ضباط البحرية البريطانية. ينقلنا الكاتب كما تفعل كاميرا مخرج ماهر من مشهد إلى آخر لنتعرف إلى جزء من الماضي في ذاك القرن بالتحديد التاسع عشر، فلا يملك القارئ سوى أن يقفز بخياله... كيف عاش الناس في النصف الآخر من الكرة الأرضية ثورتهم الصناعية وبدؤوا ينعمون بثمارها.. بينما يجول أرحمة بمركبه (الغطروشة) مثقلاً بثأر مهم. لقصص القراصنة سحرها الخاص عندما يمتزج خوفنا بالإعجاب فتتحول سير أشقياء تعساء إلى البطولة، ومع أن القرصان مدان ومنبوذ لكننا نحييه تاركين العنان لأنفسنا في أن نتعاطف ونتسامح مع حياته الاضطرارية، ثم إنه على أقل تقدير رجلٌ ليس جباناً، إنما عاش حياته على طبيعته، لذا نمنحه احترامنا في نهاية المطاف. ولي هنا بعض الملاحظات: - قدمت الرواية بنجاح صورا حية للصراع في منطقة الخليج العربي، القبائل العربية تصطرع فيما بينها، وإلى جانبهم الفرس الطامعين، وكذلك المستعمرون البريطانيون. - تصف بعض المصادر التاريخية أرحمة ابن جابر بالمسلم الوهابي صديق الإنجليز، ويصفه الكاتب بمسلم غير متدين لا يحب الوهابيين، يهادن الإنجليز رغم كرهه لهم ويسبب لهم الرعب، لذا لا غضاضة على القارئ المهتم بتاريخ شخصية أرحمة على حقيقته أن يقرأ الرواية كملحمة اختلطت فيها الأسطورة بالحقائق، لا أن يسلم بها كتاريخ موثق. - بالنظر إلى الحبكة الأساسية في الرواية (السيف المرصع بالجواهر)، والتفاصيل في مواضع محددة، وجدت أنها تتسم بالسذاجة أحياناً، وتفقد تلك الصفة عندما يتم تحويلها إلى فيلم سينمائي يعرض مغامرات. لا بد من التساؤل عن منطقية وضع السيف في سفينة لا تحمل العلم البريطاني ليكون لقمة سائغة (لأرحمه) كمحور للتشويق في الرواية على مدى 400 صفحة، ثم فكرة إغراء إبراهيم باشا بالسيف رغم العداء المعروف تاريخياً بين والده والإنجليز... أليس من الأجدى التفاوض مع محمد علي في مصر إن كان لا بد من ذلك، ربما يأتيني الجواب أن سؤالي هو الساذج، فبدون رحلة السيف الخطرة لا قصة ولا رواية يتابعها القارئ بشغف، وأن مثل هذه الأمور مسموح بها للكاتب ولا غبار على استعمال أسلوب مزج الحقيقة بالخيال في العمل الروائي، ولكن أجيب مرة أخرى، بأن تلك تتعلق بمهارة الكاتب عندما يريد تقديم (رواية تاريخية) أن تكون حبكة التشويق منطقية كي لا يشعر المرء في بعض المقاطع أنه يتابع قصة للمراهقين وعليه أن يتغاضى عن تفاصيل غير معقولة. - في عودة إلى التفاصيل، هنالك شيء من التناقض في ما يجب أن تكون عليه بعض الشخصيات-على سبيل المثال- حين يتحول (غولاب) الموظف الذكي البارع في العلاقات العامة إلى غبي فجأة بتأثير تاجر بحريني ليس أكثر ذكاء منه. وابن عفيصان الذي يتحدث فجأة كمفكر أو عالم اجتماع متخرج من الجامعة إذ يقول في إحدى صفحات الرواية: «ولكن يا سيد لوخ إن ما تراه أمامك عبارة عن موجات سياسية تتلون بالدين في بداية ظهورها، عادة ما تبدأ الصراعات السياسية بعقائد دينية أو عرقية ثم ترجع إلى أصلها بمرور الوقت، وقد شاهدنا ذلك على مدى التاريخ». - لم يخرج الكاتب عن العقلية الذكورية، فلا نكاد نلمح أي شخصية نسائية ذات شأن وتأثير في الرواية مع أن أرحمة يقول في الرواية إنه يحب النساء، لكن من هي امرأة (أرحمه) أو زوجته، كيف كانت علاقته بوالدته..؟ كيف وصف حياة القراصنة مع بائعات الهوى وأماكنهم.. ما شكل علاقة الرجال بنسائهم في القرن التاسع عشر في تلك المنطقة؟ أم أن الحياء يتقدم على العمل الروائي المكتمل لدى الكاتب؟ التحليل العميق للشخصيات... كان علي كقارئة أن أفهمه من خلال وقفات إنسانية جميلة لكنها مبتورة، فالكاتب يلهث خلف تسارع الأحداث ويشدني معه في رواية مروية والحوار الذي أكل جل صفحات الكتاب لا بغنى الحياة الداخلية وروح الشخصيات. - يوصل الكاتب رسالة إنسانية -جميلة وسليمة وبسيطة الطرح- من خلال سادلر الضابط البريطاني الذي بدا متعجرفا لكنه فهم أخيرا أن البشرية أسرة واحدة، وقد استعمل الكاتب عبارات مباشرة للتعبير عن فكرة جوهرية بالرواية مثل: «فالبشر متشابهون في كل شيء والمختلف هو اللغة والأشكال والألوان»، فالإنسان من يحمل «قلبا طيباً عطوفاً»، فيه «الصدق والأمانة والوفاء» سواء حملها «مسلم أم مسيحي أم بوذي أو يهودي»، ثم يتذكر سادلر كيف أعجبته آية قالها له بشر (ابن أرحمه) «من قتل نفسا» أي نفس، لم تُحدد ماهية النفس. لكن الكاتب لم يجرؤ على وضع هذه الرسالة على لسان عربي مسلم وإنما تركها للأجنبي، كي لا يتحمل مسؤولية رأيه الشخصي على ما أعتقد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.