الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
07:29 ص بتوقيت الدوحة

من الحياة

الآخرون

الآخرون
الآخرون
هل يجب أن يفعل الشخص ما يريده أم ما يريده الآخرون أن يفعله؟ قد يبدو هذا سؤالا بديهيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالشخص نفسه ولا يمس شخصا آخر فليفعل ما يريد وإن كان يمس الآخرين فليصل إلى حل وسط، حل يرضي جميع الأطراف، بديهي جدا؟ لا.. في الواقع ليس بديهيا، فالآخرون يتدخلون في أمور الشخص حتى لو بدت تخصه وحده، إن لم يكن بالقول الصريح فربما بالتلميح أو الكلام عنه في غيابه أو حتى بالحكم عليه في داخلهم بما يخالف الواقع. أما إن كان الأمر يمس آخرين مع الشخص نفسه فالأمر أيضا ليس بديهيا على الإطلاق، فالوصول إلى حل وسط هو أمر صعب جدا، بل هو مستحيل، فالحل الذي يرضي جميع الأطراف هو خرافة اخترعها السياسيون لتجميل الاتفاقيات التي يتنازل فيها جميع الأطراف بنسب متفاوتة تتناسب عكسيا مع مقدار الثقل الدولي لكل بلد، فالدول العظمى تتنازل أقل والدول المقهورة تتنازل أكثر وعليها أن تظهر الرضا والسعادة بعد ذلك، أما الحقيقة فهي: كيف لمن تنازل عن جزء من طموحه، من أحلامه، من كيانه أن يكون راضيا وسعيدا؟ وهكذا أيضا المواقف الاجتماعية، فالاختيارات التي يأخذها الشخص وتمس آخرين حتى ولو قليلا تتحتم العديد من المناورات الاجتماعية المعقدة التي يتنازل فيها الجميع بنسب متفاوتة تتناسب عكسيا مع الثقل الشخصي لكل طرف ومقدار سيطرته على الأطراف الأخرى وقدرته على إلحاق الأذى المعنوي أو المادي أو الفعلي بهم إذا لم يفعلوا ما يرضيه، والأطراف الأضعف عليها أن تتنازل أكثر وتبدي الرضا والسعادة بعد ذلك وإلا كانت عاقبتها سيئة. دائما ما أثارت دهشتي الألاعيب المعقدة التي يمارسها البشر ضد بعضهم في مواقف الحياة المختلفة ورأيتها نوعا من الخبث الذي لا يطاق خاصة عندما تحدث بين أطراف يفترض أنهم يحبون بعضهم كأفراد العائلة الواحدة، والحقيقة أن البشر جميعا يمارسون الألاعيب ضد بعضهم بنسب متفاوتة حسب طبيعة كل منهم وظروف نشأته، وتزداد ممارسة الألاعيب في مجتمعات الندرة التي تتسم بالفقر والظروف الاجتماعية السيئة وتقل في مجتمعات الوفرة الغنية والأسباب أوضح من أن أكتبها. ولكن كيف يمكن أن يحبك أحد ثم يمارس الألاعيب ضدك لكي يجبرك على أن تفعل شيئا لا تريده؟ أليس هذا نوعا من القهر؟ يقول المنطق إن هذا نوع من القهر بالتأكيد لو كنتَ شخصا عاقلا بالغا مكلفا ولا تحتاج لوصاية أحد عليك كما تقول مبادئ الأخلاق وكل الأديان، ولكن مرة أخرى المنطقي هنا لا يطبق وكثير من الناس يجبرون غيرهم على فعل أشياء لا يرغبون فيها بالضغط عليهم بأساليب مختلفة أو استغلال كرم أخلاقهم وحيائهم، وقديما قالوا: ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام، وهو قول متداول على أنه حديث شريف ولكني بحثت عن أصل له في أكثر من موقع متخصص فلم أجد. إذا كنت تمارس الألاعيب ضد من تحبهم لجعلهم يتنازلون عما يريدون وتضغط عليهم بطرق مختلفة فماذا يجعلك هذا؟ لو كنت من هؤلاء ففي الغالب أنت تظن أن من تحبهم قاصرو الفهم والذكاء أو قليلو الخبرة، وأنك تنقذهم من جهلهم وتسدي إليهم خدمة، وهو منطق اتبعه الحكام العرب السابقين الذين تساقطوا تحت ضغط ثورات شعوبهم وثبت فشله بالتجربة، في الواقع أنت إذا كنت كذلك فهذا يجعلك دكتاتورا ومتحكما ويجب أن تترك من تحبهم يمارسون صلاحياتهم التي يملكونها على حياتهم من دون ضغط، فقط يجب أن تنصحهم ثم تتركهم ليتعلموا بالتجربة والخطأ طالما أن ما يريدونه لا يصيب خلقا أو دينا فهذا هو الحد الذي لا ينبغي أن يُسمح بتجاوزه. أما إذا كنت أنت الطرف الآخر الذي تُمارس ضده الألاعيب، فلن يخرج موقفك عن اثنين، إما أنك قد تعودت على ذلك واستسلمت لجلادك واقتنعت تماما أنك قاصر الفهم وغير قادر على إدارة حياتك وارتحت لترك غيرك يتولى إدارتها عنك، ربما تكون قد آثرت أن تترك الأمور تسير بسلاسة من دون صدام مع من يفترض أن يحبك وتحبه- وأتكلم هنا عن الحب بمعناه الواسع- وتنازلت حتى عن حق الحلم، وهي أعراض متلازمة نفسية معروفة «بمتلازمة ستوكهولم» ربما أكتب عنها في وقت لاحق، وإما أنك لم تعد تحتمل وأصبحت ترغب في ثورة شخصية على مُحبك ومُعذبك في الوقت نفسه، ثورة تقول له فيها: أنا أريدك في حياتي ولكني أريد أن أفعل ما أتمنى فهو ليس عيبا أو حراما وقد يكون رأيك غير صحيح فدعني أخض تجربتي بنفسي وأتعلم منها. أيها الآخرون، أيها الأزواج والزوجات والأشقاء والشقيقات، أيها الأصدقاء والصديقات، يا رؤساء ورئيسات وزملاء وزميلات العمل، أيها الآباء والأمهات الذين بلغ أبناؤهم سن الرشد، لا تكونوا الآخرين المتحفزين، لا تكونوا الآخرين المتحكمين، لا تكونوا جلادين، لا تكونوا من يحرم غيره من الحرية التي يستحقها، ساعدوا من تحبون ومن تتعاملون معهم على بلوغ أحلامهم ولا تقهروهم لأنكم تملكون السلطة، فدائما هناك من يملك سلطة عليكم في الأرض وإن لم يوجد فهناك من يملكها في السماء.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عيون زرقاء

12 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (2)

05 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (1)

22 أكتوبر 2011

بين السطور

15 أكتوبر 2011

المقياس

08 أكتوبر 2011

اعصِف.. فكر

17 سبتمبر 2011