الخميس 16 شوال / 20 يونيو 2019
02:46 م بتوقيت الدوحة

من الحياة

عيون زرقاء

عيون زرقاء
عيون زرقاء
«عيون زرقاء»، عبارة اعتدت وزملائي أن نتبادلها كثيرا في سياق يتضمن الحسرة أو السخرية أو المواساة، فمجال عملنا يوجد به الكثير من الأجانب سواء من يعملون معنا أو مع جهات منافسة، ولأن هؤلاء الأجانب يتقاضون مبالغ هي أضعاف ما نتقاضاه نحن من المصريين بلا اعتبار لعامل الكفاءة المهنية، وإنما فقط للانتماء لجنسية أوروبية أو أميركية، فقد أصبحت هذه العبارة كـ «شفرة سرية» بيننا للتذمر من هذا الوضع كلما اضطر أحدنا لتصحيح خطأ وقع فيه أحد هؤلاء، أو وقع في صراع معه لم ينصفه فيه أحد فـ «العيون الزرقاء» تكسب غالبا، ولم يسلم من هذه الشفرة القليل من الأوروبيين أو الأميركيين من ذوي الأصل الإفريقي وليست لهم «عيون زرقاء» فعليا، ولكن المصطلح تطور ليشمل كل من يحمل جنسية أجنبية أيضا، كنا في العادي نتبع هذا المصطلح بنصيحة مازحة عن وجوب اقتناء زوج من العدسات اللاصقة الزرقاء وشعر مستعار أشقر ربما وقتها نعتبر نحن أيضا: «عيون زرقاء». ولكن ما طالعتني به الأخبار هذا الأسبوع يبدو أنه سيجعل النصيحة الخاصة بالعدسات اللاصقة تتغير، فقد ابتكر طبيب أميركي جراحة بالليزر لتحويل لون العيون البنية إلى الأزرق عن طريق تسليط شعاع من الليزر على قزحية العين، وهي الجزء الذي يحمل المادة الملونة المسؤولة عن لون العين، يؤدي شعاع الليزر إلى تضرر المنطقة الحاملة للخلايا الملونة فيقوم الجسم بامتصاصها كما يفعل عادة مع الخلايا المتضررة أو التالفة وتصبح القزحية بلا مادة ملونة، وهذا هو الوضع مع أصحاب العيون الزرقاء منذ الولادة، وغياب الخلايا الملونة يجعل العيون تبدو زرقاء بسبب ظهور انعكاس الضوء بداخلها، وهذا هو الحال مع القطط حديثة الولادة أيضا، فهي تولد من دون خلايا ملونة في القزحية فتظهر عيونها زرقاء لأسابيع بعد الولادة، حتى تتكون المادة الملونة فيتحول لون العيون إلى الأخضر أو الأصفر أو الرمادي. ما زالت عملية هذا الطبيب الأميركي في طور التجريب ولكن لمعرفتي بمجتمعاتنا التي تحكمها «عقدة الخواجة» لدرجة كبيرة، أعتقد أنها لو أتيح لها الانتشار فستنتشر بداية في مجتمعاتنا الشرقية وما يماثلها، وربما انتشرت عندنا أيضا من دون أن يتم إقرارها في أوروبا وأميركا، فالطبيب الذي ابتكرها أجرى عددا من الجراحات التجريبية على بشر في المكسيك كانوا يحتاجون لزراعة القرنية وتم منحهم قرنيات جديدة بشرط أن يوافقوا على إجراء عملية تغيير لون العين، فالواقع يقول إن مجتمعاتنا تميل إلى التنميط والتقليد بصورة كبيرة، وتُثمن كل ما هو أجنبي، وتبخس قيمة كثير من الأشياء الحسنة التي تمتلكها سواء تلك التي تختص بالشكل أو السلوك لمجرد أنها وطنية، ولنتذكر هذه الكلمة التي استعملت في أحد الأفلام لا أذكر اسمه «local» وتعني بالإنجليزية «محلي» وهو شيء لا يعيب والكلمة تستعمل في أميركا لوصف من جاء من نفس المجتمع، أما في الفيلم فقد استعملت بمعنى «مبتذل» وهو شيء مؤلم أن تكون نظرتنا إلى أنفسنا بتلك الصورة. إذا، فربما تنتشر هذه العملية في مجتمعاتنا في المستقبل، فما أراه الآن أن كثيرا من الفتيات يستعملن العدسات اللاصقة الملونة كنوع من التغيير أو كأنها ضمن أدوات التجميل بصرف النظر عن ضررها المحتمل على العين، بل كثيرا ما يشترين أنواعا رديئة رخيصة الثمن من دون استشارة طبيب وهو نوع من عدم الشعور بالمسؤولية تجاه عضو ثمين من الجسد الإنساني يصعب تعويضه إذا تضرر، كما أنه نوع من سلوك القطيع والتخلي عن الشخصية التي خلقنا الله عليها والتي تكمن أشد ما تكمن في العينين- هذا رأيي على الأقل- وربما يأتي علينا المستقبل وقد أصبحت جميع النساء بشكل متقارب بفضل انتشار العدسات اللاصقة وعمليات التجميل التي تخطت دورها من إصلاح العيوب إلى تغيير الشكل كما تحب صاحبته –أو كما يحب صاحبه- والملابس الجاهزة التي لا تخرج عن موديلات متشابهة تطرح كل موسم ثم تتغير في الموسم القادم إلى أشكال وألوان جديدة لكنها تشبه بعضها أيضا، نعم، ربما تصبح جميع النساء متشابهات، وربما جميع الرجال متشابهون أيضا في المستقبل القريب ونصبح كأننا في أحد أفلام الكائنات الفضائية التي تثير رعبي دائما. في الواقع الجزء الأخير هو حلم تسبب فيه خبر العملية الجراحية التي تُغير لون العيون ولكنه تحول إلى كابوس، وعلي أن أصحو الآن لأضع عدساتي اللاصقة الزرقاء وأذهب إلى العمل، فأنا في طريقي لمقابلة مهمة مع «عيون زرقاء»، وذلك مؤقتا طبعا حتى يتم إقرار العملية الجراحية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الآخرون

19 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (2)

05 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (1)

22 أكتوبر 2011

بين السطور

15 أكتوبر 2011

المقياس

08 أكتوبر 2011

اعصِف.. فكر

17 سبتمبر 2011