الأحد 12 شوال / 16 يونيو 2019
04:00 م بتوقيت الدوحة

من الحياة

الإشارات الإلهية (2)

الإشارات الإلهية (2)
الإشارات الإلهية (2)
توقفت في المقال السابق عند وصف حياة الأخوين جراهام (ميل جيبسون) وميرلين (خواكين فينيكس) الشخصيتين الرئيسيتين في فيلم الإشارات (signs) وهو من الأفلام الفلسفية عميقة المعنى والدلالة. لم تكن الحياة أفضل بالنسبة للطفلين ابني جراهام اللذين فقدا أمهما في سن مبكرة، فالابن دائم الاعتراض والمشاغبة، ويعاني الربو، فيستعمل بخاخة لتفتح مسار التنفس داخل رئتيه، والابنة تعاني نوعا من الوسواس القهري فترى كل ماء يقدم لها ملوثا، وهكذا يمتلئ المنزل بأكواب الماء التي ترفض أن تشربها وتتركها في كل مكان. كان الأمر يبدو وكأنه قد وصل إلى أقصى درجات البؤس بالنسبة لجراهام حين سرت شائعات ثم حقائق عن غزو فضائي للعالم من قبل مخلوقات تترك إشارات في الحقول المزروعة في بلدان مختلفة، ثم بدأت القنوات تعرض أفلاما تظهر تلك المخلوقات صورها بعض الناس في بلدان مختلفة، وظهرت الإشارات في حقول مزرعة جراهام وميرلين اللذين طاردا مخلوقا فضائيا في إحدى الليالي، وأعلنت القنوات أن المخلوقات الفضائية تجتاح الأرض في غزو شامل وانقطع الإرسال، وجاءت مكالمة مبهمة لجراهام من الرجل الذي صدم زوجته بسيارته، فذهب إليه ليجده يغادر منزله مسرعا ويعتذر له عن قتل زوجته بأنه لم يكن يجب عليه القيادة في ذلك اليوم ثم يخبره بأنه حبس أحد المخلوقات الفضائية في مخزنه، يدخل جراهام ويراقب المخلوق الفضائي من تحت الباب مستخدما سكينا كمرآة ثم يقطع إصبع المخلوق الذي حاول أن يهاجمه من الفراغ الكائن تحت الباب. عاد جراهام مسرعا إلى منزله ودخل مع أخيه وابنيه إلى القبو بعد أن أقفلا كل منافذ المنزل بألواح خشبية وسمعوا أصوات المخلوقات الفضائية وهي تقتحم المنزل، ثم يمد أحدها ذراعه محاولا سحب ابن جراهام من إحدى فتحات القبو، ولكن يتم إنقاذه ويصاب الطفل بنوبة ربو بسبب الفزع، فيكتشف جراهام أنه نسى بخاخة العلاج بالأعلى من فرط ارتباكه، وهكذا يقضون الليل في خوف والطفل يتنفس بصعوبة بالغة، وفي الصباح يعرفون عن طريق راديو قديم وجده ميرلين أن المخلوقات الفضائية قد هزمت وغادرت الأرض بسبب سلاح بدائي اكتشفه مواطنو إحدى دول الشرق الأوسط. صعد الجميع إلى الأعلى وجراهام يبحث عن بخاخة ابنه لإنقاذه، ثم يلمح خيالا مفزعا على شاشة التليفزيون الذي لم يكن مفتوحا، فأحد المخلوقات الفضائية لم يغادر، بل حمل ابن جراهام الطفل الذي يوشك على الاختناق بين ذراعيه، ونلمح إصبعا مقطوعا في يده، فلم يذهب هذا الكائن مع زملائه، بل جاء لينتقم من جراهام الذي قطع إصبعه، ويمسك بابنه الطفل وينفث السم الذي يخرج من مخلبه قرب أنفه، فهكذا تقاتل تلك المخلوقات الفضائية، وتمر تعاسات جراهام كلها أمام عينيه، يتذكر زوجته بعد أن صدمتها السيارة وهي تحدثه ولا تتألم، والمسعفون يخبرونه أنه من غير العادي أن تتكلم في حالتها هذه وأنه لم يبق لها في الحياة سوى ثوان، يتحرك المخلوق الفضائي ويتذكر جراهام وجه زوجته وهي تقول له: «قل لميريلين أن يضرب بعيدا»، فينظر أمامه ويلمح مضرب البيسبول المعلق على الحائط فيصرخ في أخيه الذي يقف مواجها المخلوق الفضائي: «ميرلين، اضرب بعيدا»، ويلتقط ميرلين المضرب ويلوح في اتجاه الكائن، فيسقط كوب ماء على الأرض وتتناثر قطرات على المخلوق، فيصرخ متألما وينسلخ جلده، هذا إذاً هو السلاح البدائي الذي تم اكتشافه.. الماء، ويضرب ميرلين ثانية، يضرب أكواب الماء التي ترفض ابنة أخيه الطفلة الموسوسة شربها وتتركها في كل مكان، ويغمر الماء المخلوق الفضائي فيصرخ ويسقط الطفل على الأرض، يلتقط جراهام ابنه ويخرج به إلى الخارج ليحاول إسعافه، ولكنه لا يتنفس لثوان ولا يدخل العلاج من البخاخة إلى صدره، يقضي ميرلين على المخلوق الفضائي ويخرج ليجد جراهام يرتعد وهو يحاول إسعاف ابنه الذي بدأ للتو في التنفس، ويقول في مشهد من أبدع ما مثل ميل جيبسون: «رئتاه كانتا مغلقتين، لم يستنشق السم، فرئتاه كانتا مغلقتان»، ويتذكر وجه زوجته وهي تموت وتطلب منه أن «يرى»، وقد رأى، رأى كل شيء، فكل شيء حدث لسبب، فزوجته ماتت في حادث السيارة لكى ترى تلك اللمحة من المستقبل وتخبره أن يطلب من ميرلين أن «يضرب بعيدا بالمضرب»، هذه الجملة التي كان يستعملها زملاء ميرلين للسخرية منه، فهو يضرب بعيدا، أبعد مما ينبغي فيخسر فريقه بدلا من أن يفوز، ولكنه ضرب بعيدا فقتل المخلوق الفضائي بالماء، ومرض الابنة بالوسواس القهري لم يكن نقمة بل نعمة، فالماء الذي تتركه في كل مكان هو السلاح الذي أنقذهم، ومرض الطفل بالربو أغلق رئتيه فلم يستنشق السم ونجا من الموت، والمخلوق الفضائي لم يتخلف عن زملائه عشوائيا بل بقي لينتقم وليجعل جراهام يرى ما لم يكن يراه، والرجل الذي قتل زوجة جراهام لم يقد شاحنته في ذلك اليوم ليقتلها بلا سبب، بل لترى ما رأت وتخبر زوجها فتنجو عائلتها بينما تموت هي، لا شيء يحدث بعشوائية، فكل شيء يحدث لسبب، كل شيء هو إشارة، والإشارات عنوان الفيلم هي الإشارات التي تتركها المخلوقات الفضائية في الحقول لتميز أماكن هجومها القادم، وهي أيضا الإشارات الإلهية التي تنتظر من يفتح قلبه وعقله من بني البشر لتلقيها. (تمت)
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الآخرون

19 نوفمبر 2011

عيون زرقاء

12 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (1)

22 أكتوبر 2011

بين السطور

15 أكتوبر 2011

المقياس

08 أكتوبر 2011

اعصِف.. فكر

17 سبتمبر 2011