الأحد 16 ذو الحجة / 18 أغسطس 2019
01:33 ص بتوقيت الدوحة

من الحياة

بين السطور

بين السطور
بين السطور
أنا أعشق الكتب والأفلام البوليسية كما أعشق كتب وأفلام الجاسوسية، فطالما أحببت الإثارة اللامتناهية في أحداثها وكمية الأدرينالين التي تتسبب بضخها في دماء المشاهد أو القارئ، والتي هي في رأيي مطلوبة دائما لإضافة قدر من التوابل إلى الحياة. أما أكثر ما أحببت في تلك الكتب فهي الرسائل المكتوبة بالحبر السري، وأتكلم عن الكتب القديمة فالحبر السري بالتأكيد يعد الآن شيئا عفا عليه الزمن، فدائما ما جذبتني تلك الخطابات التي تبدو عادية في مظهرها بينما هي تحوي بين سطورها رسالة أخرى كتبت بالحبر السري تحمل معلومات غاية في الخطورة أو موعد ومكان لقاء بين الجواسيس أو غير ذلك، وما زلت أذكر هذا الكتاب الذي قرأته في طفولتي، وهو من سلسلة المغامرين الخمسة للكاتب محمود سالم، حيث كان البطل يقوم بكتابة رسالة بأبسط أنواع الحبر السري: الليمون، ثم يظهرها عن طريق حرارة المكواة الساخنة، تجربة أعجبتني جدا حتى قمت بها بنفسي فيما بعد فقد استحوذت على الفكرة. ولكن الرسائل السرية والكلام بين السطور في حياتنا العصرية لم يعودا بحاجة لأحبار سرية من أي نوع، بل ولا يحتاجان إلى كتابة أيضا، فما أكثر الرسائل السرية التي يوجهها البشر لبعضهم بين سطور الكلام حتى لو لم يكن مكتوبا، وبين ثنايا التصرفات، وبين النظرات والابتسامات، رسائل قد تتضمن وعودا بأشياء مرغوبة أو تهديدات بأفعال مؤذية، فعالمنا أصبح غاية في التعقيد حتى أنه يغريني في كثير من الأحيان باعتزال البشر، وهو حلم مستحيل، فبين سطور الحلم تظهر عدم إمكانية تحقيقه، فنحن بشر ونحتاج إلى البشر حتى لو عانينا في فهم ما بين سطور كلامهم المسموع أو المكتوب، وما بين كلام أجسادهم من حركات وإيماءات وابتسامات. يفهم الأطفال الكلام بمعناه الحَرْفي، فعقولهم الغضة لا تحتمل فكرة الالتواء أو الكناية أو تحميل باطن الكلام غير ظاهره، وما زلت أذكر حين كان ابني يتمرن على كرة اليد مع أطفال كلهم دون السادسة وقد انقسموا إلى فريقين، طلب المدرب من الأطفال أن يراقب كل واحد منهم طفلا من الفريق المنافس واستعمل تعبير «يمسك» الشائع في ألعاب الكرة عموما فقال: «فليمسك كل منكم بواحد من الفريق المنافس»، فإذا بكل طفل يمد يديه ويمسك عضو الفريق المنافس الواقف بجواره، وانفجر كل الكبار الحاضرين في الضحك، فعقول الكبار تستوعب الالتواء وتمارسه بلا غضاضة ويطربها أو ربما يمنحها نسمة نقية منعشة أن ترى عقول هؤلاء الصغار التي ما زالت في مرحلة «ما قبل الالتواء». هل كل البشر قادرون على ممارسة الالتواء وتحميل كلامهم وأفعالهم بالرسائل والمعاني السرية أو الموجهة لشخص بعينه؟ تقول الخبرات البشرية المتراكمة إن أغلب البشر يقدرون على ذلك بنسب متفاوتة تبعا لنسب ذكائهم وطبيعة المجتمع الذي يتحركون فيه ودرجة قبول هذا المجتمع للأمر، وهناك من البشر من يمارسون الالتواء ويستمتعون به، وهناك من تجبرهم الظروف عليه ويعانون بسبب ذلك ولكن لا حيلة لهم في التوقف عنه فأحيانا تقتضيه الظروف ولا يكون هناك مفر. تختلف درجة الالتواء المسموح بها من مجتمع لآخر ومن بيئة لأخرى، فما يعد مجاملة بسيطة في مجتمع ما قد يعد نوعا من الكذب البشع في مجتمع آخر، وغالبا ما يعرف من يتلقى المجاملة أنها مجاملة وليست شعورا حقيقيا، ورغم ذلك، فهو يظهر سروره وشكره للطرف الآخر ويرد المجاملة بأفضل منها وكأن الطرفين يمثلان مشهدا سينمائيا يعرف الجميع أنه مزيف ولكنهم ينخرطون فيه بمنتهى الحماس كما لو كان حقيقيا، وهذا يدفعني كثيرا للتساؤل عن جدوى الكثير من أفعال البشر إذا كانت دائما بها هذا القدر من الزيف، وعن جدوى المجاملة التي توجه للجميع، أليس هذا نوعا من هضم حقوق الذي يستحق المدح فعلا وإسباغ الإطراء على من لا يستحقه حتى يصدق نفسه ويصاب بالغرور، وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فكثير من الناس وأنا منهم، يتوقفون عن تصديق الشخص الذين يعرفون أنه مجامل، ويبحثون بين سطور كلام من يعرفون أنه يحمل كلامه بالمعاني الخفية، وهذا يعيق التواصل بين بني البشر، وأقول ذلك عن تجربة، فأنا أجد صعوبة بالغة في التواصل مع من اعتاد المجاملات المبالغ فيها ولا أستطيع أن أصدقه أبداً في ما يقوله لي ولغيري، فبين سطور مجاملته للجميع نوع من الإهانة المبطنة لأنه يساوي بيني وبين بعض من لا يستحق المدح، رغم أنني قد أتغاضى عن ذلك تبعا لأهمية تفاعلي معه. رغم إمعان المجتمعات البشرية عموما في الالتواء والمجاملات والكذب، فإن التجربة تقول إنه لا يصح إلا الصحيح في النهاية، وإن البشر يجب أن يستعيدوا الصدق في كلامهم وتعاملاتهم وإلا فسنصل إلى وضع لا يصدق فيه أحد أحدا ونعاني أزمة ثقة عامة، والمثل الشعبي المصري يقول: «مبروم على مبروم ما يلفش»، بمعنى أن الكاذب لا يستطيع أن يقنع كاذبا مثله، فكيف ستكون الحال لو أصبح كل البشر كاذبين؟ هذا هو ما بين سطور كلامي أكتبه بالحبر الذي ليس سريا: فلنستعدْ الصدق في حياتنا يا إخوتي في الإنسانية، وإلا فسنصل إلى يوم تستحيل فيه الحياة بصورة سليمة على هذه الأرض.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الآخرون

19 نوفمبر 2011

عيون زرقاء

12 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (2)

05 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (1)

22 أكتوبر 2011

المقياس

08 أكتوبر 2011

اعصِف.. فكر

17 سبتمبر 2011