الأربعاء 15 شوال / 19 يونيو 2019
09:45 ص بتوقيت الدوحة

من الحياة

المقياس

المقياس
المقياس
كم يبلغ طول قامتك؟ هل أنت طويل، قصير، متوسط؟ وماذا عن وزنك؟ هل أنت نحيل، سمين، معتدل، وزنك مائة كيلوجرام؟ ربما أنت بدين إذاً، ولكنك طويل جدا، طولك يقترب من المترين، فأنت لاعب كرة سلة.. لا لست بدينا، فوزنك يتناسب مع طولك، وحجم الكتلة العضلية التي يجب أن توجد لدى رياضي مثلك مناسب، ولكن إن كان طولك 180 سنتيمترا، إذاً فأنت تحتاج لأن تفقد بعض الوزن. كل شيء في حياتنا نسبي، كل ما نتعامل معه أو نمر به نسبي، فلا مطلق إلا وجه الله سبحانه وتعالى، ولهذا فمن المهم قبل أن تستقبل أي معلومة أن تعرف المقياس الذي قيست به، وإلا فستصبح معلومة غير مفيدة، فالطريق الطويل داخل المدن هو ما زاد عن 20 كيلومترا مثلا، أما في حالة السفر، فـ100 كيلومترا تعد سفرا قريبا، والمبنى العالي في إحدى المدن لا يزيد على أربعة أدوار، وفي مدينة أخرى قد يكون ناطحة سحاب. والأشياء كما تتحدد بمقياسها تتحدد بمقياس غيرها، فحسب طول قامة الشخص ووزنه يتحدد إن كان نحيلا أم بدينا وليس بالوزن وحده، وجاليفر في سلسلة الكتب الشهيرة اعتُبر عملاقا عندما ذهب إلى بلاد الأقزام، واعتُبر قزما عندما ذهب لبلاد العمالقة، والشخص القمحي البشرة تعد بشرته باهتة جدا إذا ذهب إلى البلاد الإفريقية، وتعد قاتمة إذا ذهب إلى البلاد الاسكندنافية. ولكن هل المقاييس ثابت؟ لا، فالمقاييس تتغير من مكان إلى مكان ومن عصر إلى عصر، ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت السمنة مقياسا لجمال الفتيات، وكم قرأت في مجلدات المجلات القديمة التي تحتفظ بها أمي من إعلانات لنوع من المربى كان يستخدم لتسمين الفتيات استعدادا للزواج، وأذكر أغنية الزفاف الشهيرة من أحد الأفلام القديمة جدا التي تقول: «ده الأم لون الياسمين والأب عريض وسمين»، والشاعر القديم يقول في وصف الحبيبة: «أعارني سقم عينيه وحملني من الهوى ثقل ما تحوي مآزره».. إشارة إلى ثقل الوزن. ولكن هذا المقياس تغير الآن، وأصبحت الرشاقة مقياسا للجمال، أحيانا بصورة مبالغ فيها جدا، فقد تخطى الأمر الرشاقة إلى النحول المرضي، كما تظهر صور عارضات الأزياء في الغرب اللائي تبرز عظامهن رغم طولهن الشديد، وبدأنا نسمع عن أمراض مثل فقدان الشهية العصبي «الأنوركسيا» ومرض الشره «البوليميا». قد يبدو تغير المقياس لدى الشخص مع الوقت نوعا من عدم الثبات على المبدأ أو المساومة المكروهة، ولكنه في الحقيقة لا يمكن تفاديه، بل ويجب اعتبار القدرة على تغيير المقاييس -ما لم تمس دينا أو خلقا- نوعا من المرونة الاجتماعية المطلوبة، وفي الواقع فإن تغير المقياس هو شيء لا يستطيع الإنسان التحكم به، فالمرء يألف ما حوله، فإذا تغير تعود على الجديد وصار القديم الذي كان مألوفا مستغربا وغير مستحب، فعندما كنت طالبة في المدرسة الثانوية، كانت ألوان الأزياء تتبع نمطا صارما لا يمكن التحايل عليه وإلا اعتبرت المخالفة خارجة على قانون الموضة، فالأزياء يجب أن تتسق ألوانها تماما، ولا بد أن يكون لون الحذاء هو نفس لون حقيبة اليد والحزام، وألوان الثياب يجب أن تكون درجتين للون واحد أو لونين على الأكثر، ولكم كنت وصديقاتي نجوب المحلات بحثا عن تنورة أو حذاء يتفق مع ألوان ثيابنا، وقد لا نجد فتتكدس باقي الثياب في الخزانة حتى نجد ما يناسبها، أما هذه الأيام، فإن كان الحذاء من لون الحقيبة فهذه علامة على سوء الذوق وعدم اتباع الموضة، ويجب تنويع ألوان الثياب حتى تصل إلى ثلاثة أو أربعة، ولكن لتكن متناسقة، حتى الألوان التي تتناسق مع بعضها صارت مختلفة عن الماضي، ففي الماضي كان اللون البني لا يعد متسقا إلا مع مشتقاته، والجينز لا يلبس إلا مع مشتقات الأزرق، ثم في منتصف التسعينيات ظهر البني مع الأسود والأزرق فاستبشعت هاتين التركيبتين اللونيتين في البداية ثم ألفتهما وصارا من تركيباتي المفضلة، والجينز صار يلبس مع أي لون على الإطلاق.. صار الأمر أكثر نظامية أيضا، فتركيبات الألوان تطرح كل عام في المحلات ومجلات الأزياء، وصار الأمر مرنا للغاية، وهو شيء مريح للنساء بالتأكيد. ربما حان الوقت لتغيير مثل شعبي قديم أيضا كما تتغير المقاييس، فالمثل يقول: «الرفيق قبل الطريق» وهو ما لم يعد مطلوبا الآن، ففي أجهزة الاتصالات الحديثة ما يسلي الجميع مهما طال الطريق، لهذا فيجب أن نقول: «المقياس قبل المعلومة»، فإذا قيل عن شخص ما إنه طويل فلتسأل عن طوله بالسنتيمترات، وإذا قيل عن مكان ما إنه جميل فلتسأل عما يوجد فيه، وإذا نظرت إلى خريطة لتحديد موقع ما، فلتسأل عن مقياس الرسم فربما يكون صغيرا جدا بحيث لا يظهر المكان الذي تريده على الخريطة على الإطلاق.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الآخرون

19 نوفمبر 2011

عيون زرقاء

12 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (2)

05 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (1)

22 أكتوبر 2011

بين السطور

15 أكتوبر 2011

اعصِف.. فكر

17 سبتمبر 2011