الخميس 13 صفر / 01 أكتوبر 2020
10:11 م بتوقيت الدوحة

(برٌ في زمن كورونا)

(برٌ في زمن كورونا)
(برٌ في زمن كورونا)
كيلٌ غير مطفف من العدالة الإلهية وضعتْ البشرية أمام أمر جلل بحجم الجائحة، عدلٌ سيتمخض عنه غث المواقف وسمينها، أزمة حقيقية سنُصْلى بنيران تناقضاتها ردهاً من الزمن، فالكلٌ يبحثُ عن عتبة سلامة ليرتقيها أو قارب نجاة يحتمي به.

حالٌ أشبه بيوم الميعاد، فقد غدت الأرض غير الأرض، وضاقت آفاق السماء، وحُوصر كل وطن في حدوده، وكل أسرة في محيطها، وإذا أُصيب أحد أفرادها، عُزل عن ذويه خوفاً منه وعليه! 

كل فرد في وقت ما سيقول نفسي نفسي، وتلك هي النازلة بعينها؛ إلا ما قام به أحمد، الفتى الذي يخطو بتؤدة نحو عتبة الثامنة عشر من عمره، أحمد الذي طوع الخوف أمناً لغيره، ورضى بالخطر بعد أن قفز من فوق سور الأنا، ليحط بجوار عمه الذي أُصيب بكورونا؛ فحين استيقظ على فاجعة أصابة عمه وتدهور حالته، امتطى فرس الشجاعة ليبادر بما أُمر بالنهي عنه -وهي مخالطة المصاب بالفيروس، ناهيك عن أمرٍ آخر قد بدت ملامحه في طيات حديثه مع والده- وليقوم مقامه في الذود عن حياض المروءة وصلة الرحم.

أمر الطبيب بادخاله لقسم العناية المتوسطة، وهذا يستلزم وجود مرافق على مدار الساعة؛ أدى عمه الأصغر واجبه تجاه أخيه المستلقي على السرير الأبيض، خاصة وأنه قد أُصيب بكورونا قبل أخيه، فهو من الناحية الطبية ذو مناعة ضد الفيروس، إلا أن البقاء في العناية المتوسطة تتطلب عيناً لا تنام، فمهمته الأساسية مراقبة نسبة الأكسجين وبقية العلامات الحيوية من ضغط ونبض وتنفس ودرجة حرارة، عبر جهاز المراقبة، وهذا لا يمكن أن يتم بجهد شخص واحد على مدار الساعة لأيام وربما أسابيع.

فتقدم أحمد بطلب التناوب مع عمه الأصغر بعدما أخبر الطبيب بأنه مخالط خلال المدة السابقة، وأنه ربما قد أُصيب بكورونا من قبل بدون أن تسبب له وعكة شديدة ككثيرين مثله، عندها وافق الطبيب تحت إلحاحه.

كان والد أحمد يعمل في بلد آخر، وصعُب عليه القدوم بسبب إجراءات الإغلاق التي شملت المطارات، وكان يسمع من والده طيلة الوقت تعبيره عن شعوره بالذنب لعدم قدرته على الوقوف في هذه المحنة مع أخيه؛ شعورٌ يأتي من تزاحم أفكارٍ مردها قلة الحيلة، حتى وإن كانت لأسباب خارجة عن إرادته؛ إنها الجذور القوية التي تمسك جذعه ‏وتهز فروعه بلا هواده.

لذا اتخذ قراره، وأعد نفسه لتحمل المسؤولية، واتصل بوالده وهو يبكي قائلاً: اعتذر منك يا أبي لم أستطع البقاء متفرجاً وعمي بهذه الحالة، لن أتركه؛ أجابه والده بقوله: «بني لم تُصب بكورونا من قبل، وأنت تعرض نفسك للأذى»؛ فرد  عليه: «لست متأكداً من ذلك، فربما نزلة البرد التي أُصبت بها منذ شهرين كانت كورونا وحفظني الله من مضاعفاتها، أرجوك هذا قراري وأتحمل عواقبه، ادعو لي ولعمي، « قل لن يُصينا إلا ما كتب الله لنا «.

واجبي حمايتك يا بني.

ماذا كنت ستفعل لو كنت مكاني يا أبي؟

من ساواك بنفسه ما ظلمك، ومن شابه أباه ما ظلم «قالها محدثاً نفسه»؛ عندها أنهمرت دموعه خوفاً على ابنه وفخرًا به، واحتدمت أفكار تموج بين واجبه نحو أخيه وآخر نحو ابنه؛ «استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، اعمل يا بني بالأسباب والتزم الاحترازات، وارتدِ ما يقيك من العدوى بحسب الإجراءات المتبعة في المستشفى، وعليك بالدعاء والصدقة والقرآن».

لقد أوقفت كورونا قطار الحياة لأجل غير مسمّى، وأضحى الناس سجناء من دون أغلال، وعلاقاتهم تضج بالصمت والريبة، فكلٌ مصابٌ إلى أن يثبت غير ذلك، والكل يبحث عن سلامته، ولا لوم في ذلك، إلا أن البر وصلة الرحم في مواطن استثنائية كهذه تُسطرُ في قواميس المروءة بحبر من الذهب. 


التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.