الإثنين 03 صفر / 21 سبتمبر 2020
03:37 ص بتوقيت الدوحة

سبقت الأصوات اللبنانية المطالبة بعودة الانتداب والحماية من باريس..

قصة "جزيرة الموت" العربية التي رفضت الاستقلال عن فرنسا لدخول "الجنة الأوروبية"!

الدوحة - العرب

الجمعة، 07 أغسطس 2020
دعوات على مواقع التواصل في لبنان تطالب بعودة "الانتداب الفرنسي"
دعوات على مواقع التواصل في لبنان تطالب بعودة "الانتداب الفرنسي"
أثار توقيع عشرات الآلاف من اللبنانيين على عريضة تطالب بعودة الانتداب الفرنسي إلى بلدهم، تزامناً مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أعقاب الانفجار الذي هز العاصمة بيروت وأسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص وجرح وتشريد الآلاف، حالة من الانقسام والجدل بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من اللبنانيين، فاستنكر بعضهم المطالبات بعودة الاحتلال واصفاً إياها بأنها خيانة للوطن، في حين رأى البعض الآخر أن لبنان “لم يكن بلداً مستقلاً في أي وقت من الأوقات”، مجادلا بأن ذلك قد يكون حلاً للمشهد المعقد الذي تعيشه البلاد في ظل حالة انعدام الثقة في الطبقة السياسية الحاكمة.

وقبل هذا فتحت هذه العريضة ملفاً شائكاً بشأن ما يراه قطاع في الشارع العربي بأن موجة استقلال بلدانهم التي بدأت قبل نحو 70 عاماً عن الاحتلال الأجنبي لم تسفر سوى عن استقلال شكلي، وأن ما حدث ببساطة هو استبدال "الاحتلال الأجنبي" بـ "احتلال محلي" تمثل في طبقة حاكمة تسيطر على مفاصل البلاد، ويرى هذا القطاع أن "ثورة- انقلاب" يوليو 1952 في مصر كان بداية هذه الظاهرة.

ولكن .. ربما لا يعلم كثيرون أن هناك جزيرة على الأراضي العربية رفض سكانها الاستقلال عن فرنسا، وحالياً هى جزء من الاتحاد الأوروبي، الذي يداعب خيال كثير من الشباب العربي الهجرة إليه، حتى لو كانت بطريقة غير شرعية محاطة بالموت في قوارب صغيرة تصارع الأمواج أملاً في الوصول إلى "الجنة الأوروبية الموعودة". 

الفتح العربي لـ "مايوت"

في منطقة نائية، تقع جزيرة صغيرة ولا تتعدى مساحتها 374 كيلومترًا، كانت تحمل اسمًا عربيًا قديمًا يُدعى "جزيرة الموت" لما تُحاط به من شعب مرجانية تحطم السفن القادمة إليها، قبل أن يُشتق من اسمها القديم اسم أحدث لها يحمل اسم "مايوت".

وتبعد مايوت حوالي 250 كلم غرب جزيرة مدغشقر و 30 كيلومترا إلى الجنوب والجنوب الغربي من جزيرة أنجوان.ومع بُعد الجزيرة وصغر مساحتها التي قد تحتاج لعدسة مكبرة لرؤيتها في الخريطة، إلا أنها شغلت أحلام الفرنسيين على مدار قرون طويلة مضت، فتاريخيًا لم تسلم "مايوت"، وهى إحدى الجزر الأربعة لدولة جزر القمر العربية، من موجة الاحتلال الفرنسي التي غمرت قارة أفريقيا في الألفية الماضية.

وترجع القصة إلى القرن الخامس عشر عندما فتح العرب الجزيرة الواقعة في المحيط الهندي قبالة الساحل الشرقي للقارة السمراء ودخل أهلها الإسلام، واستمر  الحكم العربي للجزيرة مستقرًا حتى نهايات القرن الثامن عشر، عندما غزت قبيلة «سكالافا» المدغشقرية الجزيرة للسيطرة عليها، ومع الوصول لبداية الأربعينيات من القرن التاسع عشر، تمكّن الاستعمار الفرنسي من احتلال الجزيرة وضمها إلى قائمة المستعمرات الفرنسية على الأراضي الأفريقية.

استفتاء بين الاستقلال أو البقاء تحت الحكم الفرنسي

لم تتوقف الرغبة الفرنسية في التحكم في «مايوت»، على تاريخها الاستعماري في القرون الماضية؛ وإنما ظلّت تلك الرغبة الفرنسية المتمسكة بالجزيرة حتى عقود حديثة، مع اعتراضات أمم أفريقية وعربية، لم تمنع فرنسا في النهاية من تحقيق رغبتها.

ومع الاستعمار الفرنسي للجزيرة لم يتخلّ سكانها عن الإسلام، الذي يعتنقه نحو  ‎97 % منهم ولكن التأثر بالثقافة الفرنسية ظل حاضرًا مع مرور السنين، وحتى جاءت اللحظة الفارقة على سكان «مايوت» عندما فُرض عليهم الاختيار ما بين خياريين: الأول نيل الاستقلال عن فرنسا والبقاء ضمن دولة جزر القمر، والثانية البقاء تحت الحكم الفرنسي، في استفتاء شعبي جرى عام 1974.

أسفرت نتيجة الاستفتاء عن أن ‎%‎ 95 من سكان جزر القمر يريدون الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، ولكن فرنسا أعادت الاستفتاء مرة أخرى عام 1976، غير أن النتيجة  ظلت كما هى 95% من سكان جزر القمر صوتوا لصالح الاستقلال، ولكن ما لاحظته فرنسا هذه المرة هو حجم المصوتين للبقاء تحت الحكم الفرنسي، من جزيرة «مايوت» فقط، ووجدوا أن 65% من المصوتين فيها صوتوا لصالح البقاء تحت الحكم الفرنسي، ويقول نشطاء من جزر القمر إن الاتفاق على الاستفتاء يقضي بالأخذ بالنسبة الإجمالية للجزر الأربع، وليس لكل جزيرة على حدة، مشيرين إلى أن فرنسا استغلت النسبة الداعمة للبقاء تحت حكمها في جزيرة «مايوت»؛ لإبقاء حكمها الفعلي على الجزيرة بشكل منفصل عن بقية الجزر الثلاثة التي اختارت الاستقلال، وهو قرار لم يُرضِ جزر القمر ولا الأمم المتحدة ولا الاتحاد الأفريقي، وفي عام 1979 أصدرت الأمم المتحدة قرارًا يؤكد سيادة دولة جزر القمر - العضو بجامعة الدول العربية- على جزيرة «مايوت»، وكذلك دعم الاتحاد الأفريقي مطالبة دولة جزر القمر بسيادة الجزيرة.

"مايوت" إحدى الجزر الأربعة لدولة جزر القمر العربية أصبحت القسم الفرنسي رقم 101.. ونالت عام 2014 اعتراف الاتحاد الأوروبي

ومع الاعتراضات الأممية والأفريقية والقُمرية، لم يدخل القرار الأممي حيز التنفيذ لثلاثة عقود حتى شهر مارس (آذار) عام 2009، عندما جرى استفتاء جديد أعرب خلاله 95 ‎%‎ من سكان الجزيرة عن رغبته في البقاء تحت الحكم الفرنسي، وهو استفتاء دخل حيز التنفيذ رسميًا بعد عامين تحديد في مارس 2011؛ لتصبح بذلك «مايوت» جزءًا من أقاليم ما وراء البحار الفرنسية، وتصبح القسم الفرنسي رقم 101، وفي عام 2014 نالت الجزيرة اعتراف الاتحاد الأوروبي، مع أنها لم تحظ باعتراف الأمم المتحدة أو جزر القمر والاتحاد الأفريقي.



وتعد «مايوت» الآن جزءًا من فرنسا، ويسكنها نحو 210 آلاف نسمة وهم خليط من العرب والأفارقة والملاغاسيين، وقد حافظت الجزيرة على طابعها الأفريقي وتقاليدها التاريخية في لباس النساء اللواتي ما زلن يرتدين "شيروماني"، الزي الشعبي للجزيرة، والرجال كذلك لا يزالون يرتدون الزي الشعبي "البرنس" الذي يتميز به المسلمون الأفارقة، وهو معطف واسع مع قلنسوة وكوفية وغطاء للرأس مطرز.
ويدير "مايوت" عمدة معين في فرنسا ومجلس إداري منتخب، ويمثلها نائب في الجمعية الوطنية الفرنسية ونائبين في مجلس الشيوخ الفرنسي، ويعمل نظامها القضائي على النموذج الفرنسي.

هجرة قُمرية للجزيرة "الفرنسية"

ارتباط «مايوت» بفرنسا وأوروبا جعل منها قبلة للمهاجرين من جزر القمر، فبدلًا من معاناة السفر إلى أوروبا وأخذ الإقامة والجنسية، أصبح بإمكان بعض المهاجرين لمايوت بولادة أبناءهم هناك، ليحصلوا بذلك على الجنسية الفرنسية ويصبح وكأنه أحد مواطني الاتحاد الأوروبي.

وأدت تلك الإغراءات لتزايد حركة الهجرة غير الشرعية لمايوت ومقتل الآلاف غرقًا، وبالأخص بعدما فرضت فرنسا تأشيرة دخول لـ«مايوت» على مواطني جزر القمر عام 1995، والذين يعتبرون الجزيرة جزءاً من أراضيهم، فيما قامت السلطات الفرنسية في الجزيرة بترحيل نحو 16500 شخص عام 2008 من مواطني جزر القمر دخلوا "مايوت" بطريقة غير شرعية.

شاهد: دعوات لطرد المهاجرين من "مايوت" 
  
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.