الإثنين 20 ذو الحجة / 10 أغسطس 2020
05:20 ص بتوقيت الدوحة

احرق جميع سفنك عدا واحدة

احرق جميع سفنك عدا واحدة
احرق جميع سفنك عدا واحدة
بعض الناس يظنون أن الحياة مصبوغة باللون الأبيض، وآخرون يظنون أن السواد يلفُّها من كل حدب وصوب، وفريق ثالث يرى أنها بلون رمادي فلا هي بيضاء ولا هي سوداء، وهذا هو الرأي الأقرب إلى الصواب، فالحياة مليئة بالخيارات المتعددة وهي متشعِّبة الطرق والمسالك؛ بسيطة واضحة حيناً، وغامضة عجائبية حيناً آخر، فمن أراد أن يحيا فيها فعليه أن يتكيَّف مع تقلُّباتها المفاجئة ومزاجيَّتها الغريبة، فيوماً تعطيك أكثر مما ترنو إليه وفي يوم ثانٍ تقذفك بألسنة من لهب تحرق كل آمالك.
لكن ورغم أن الحياة لا تعرف لها استقراراً ولا ثباتاً فهي في تغيُّر مستمر كما البحر، فإن على كل راغب في الوصول إلى أي هدف يطمح إليه ألا يخوض غمار هذا البحر متلاطم الأمواج وهو يتخبَّط بين عشرات الخيارات والاحتمالات وفي رأسه ألف عذر وعذر للتراجع والتقهقر، وكأنه يلج البحر بأكثر من سفينة في الوقت ذاته فلا يصل في نهاية المطاف إلى أي وجهة أو مكان، خصوصاً إذا ما تقطَّعت به السُبل ولم يعد أمامه أي طريق للتراجع، فإما النصر أو الهزيمة.
عندها لا حلَّ أمامه سوى أن يحرق جميع سفنه ويركب على ظهر سفينة واحدة فلا ينظر إلى ما خلفه أبداً بل يصب تركيزه وطاقته في سبيل الوصول بتلك السفينة إلى الغاية المنشودة والوجهة التي يصبو إليها، فلا استسلام ولا تراجع بل طريق واحد وخطة واحدة لا يحيد عنها مهما تكن المسوّغات؛ ذلك هو التحدي الحقيقي، تحدي الإنسان لذاته وللحياة التي تقيم في وجهه الأسوار والحوائط السميكة التي تقف حائلاً بينه وبين أحلامه وتضع في طريقه شتى صنوف العقبات في محاولة لحرفه عن المسار الوحيد الذي اختاره بقصد اختباره وكشف معدنه الحقيقي الذي لن يتجلى إلا في أحلك الظروف.
أما الإنسان الجريء المقدام فهو الذي يتجاهل كل الخيارات التي تدفعه للتراجع ويقطع حبال الهزيمة والاستسلام ليركب سفينته الوحيدة الموصلة إلى جزيرة الأحلام فيكسب الرهان ويربح الجائزة الكبرى بانتصاره على ذاته وحرقه لجميع السفن الأخرى ما عدا سفينة واحدة لا تسير إلا باتجاه تحقيق الأماني والطموحات العظيمة والنصر الكبير.
يقول كريم الشاذلي: «لن تنهزم أبداً ما دام الانسحاب غير موجود في خياراتك .. فالحياة تخبرنا أن هناك كثر ممن انسحبوا كانوا قريبين جداً من نيل مبتغاهم .. لكنهم قبل النهاية بخطوة بسيطة قرروا أن يعودوا أدراجهم في يأس»
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.