الأحد 09 صفر / 27 سبتمبر 2020
06:45 ص بتوقيت الدوحة

بعد "شبح العطش".. النيل شاهد عيان على 5 رؤساء مصريين

الدوحة- "العرب"

السبت، 18 يوليو 2020
بعد "شبح العطش".. النيل شاهد عيان على 5 رؤساء مصريين
بعد "شبح العطش".. النيل شاهد عيان على 5 رؤساء مصريين
>> جمال عبدالناصر.. احتوى دول النهر فباركت بناء السد العالى

>> أنور السادات.. استعمل ورقة المياه فى التفاوض مع إسرائيل وهدد بالحرب على أثيوبيا.. ورد هيلاماريام: سنحوّل النيل إلى لون الدم

>> حسني مبارك.. "اتفاقية عنتيبي" جرس إنذار كشف جمود علاقاته بدول الحوض

>> هل بحث مرسى مع السودان توجيه ضربة عسكرية للسد الأثيوبي؟

>> السيسي بين تأكيد الالتزام بحماية الحقوق المصرية التاريخية فى النهر الخالد.. واتهامات بالتفريط  مقابل "الاعتراف الأفريقي"


إذن لقد وقعت الواقعة. أصبح شبح العطش أمراً واقعاً ومخيفاً يواجه  المصريين، بعد سنوات طوال من الشد والجذب مع أثيوبيا، التي أعلنت بدء تعبئة "سد النهضة". 

أوصدت بوابات السد العملاق مجرى مياه طالما جرى آلاف السنين لينشر الخير والنماء لشعب التف حول شريان حياته، لدرجة أنه سمح لأجانب من كل فج عميق بحكم بلاده وحماية حدوده المترامية التي تتطلب أن يترك ضفتي النهر الخالد ويذهب بعيدا عنه، إلا أن المصريين تمسكوا بالبقاء بجانب النيل ليُطلق عليهم منذ ذاك صفة "الفلاح الأراري" بالتعبير العامي، أي الملتصق بالأرض والزراعة.

ملف النيل شائك، وارتبط دوماً في استقرار جريانه بحكام مصر منذ قديم الأزل، لدرجة أن أحدهم وهو الخديوي إسماعيل "1830- 1895" اعتبر أن حدود مصر تنتهي بآخر منابع النيل.

في العصر الحديث وبعد "ثورة- حركة يوليو 1952"، مثلما كانت هناك اختلافات فى سياسات الرؤوساء المصريين الخمسة: جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسنى مبارك ومحمد مرسي وعبدالفتاح السيسي، تجاه القضايا والأحداث المختلفة، من الصراع مع إسرائيل إلى تنمية الداخل، ومن الملفات العربية إلى الرؤى الإقتصادية، فإن هذه الإختلافات تظهر واضحة فى كيفية إدارة العلاقات مع دول حوض النيل خاصة والقارة الإفريقية على وجه العموم.

فمن اعتبار القارة السمراء ودول الحوض بُعدا استراتيجيا لمصر وتقديم الدعم لثوارها وجعل إفريقيا بابا مغلقا أمام إسرائيل، إلى ما يمكن تسميته "إعطاء الظهر" للقارة والتهديد بشن حرب مع بعض دول حوض النيل، والإنقلاب من دعم الثوار إلى تثبيت عروش الديكتاتوريين، وصولا إلى علاقات"جامدة"مع الإمتداد الطبيعى لمصر فى الجنوب والإتجاه للشمال، ثم نوبة صحيان على وقع طبول التذمر والعصيان التى دقتها دول المنابع فى اتفاقية عنتيبي العام 2010 التي كانت بداية دق ناقوس الخطر لحرمان مصر مما تعتبره حقوقاّ تاريخية في مياه النيل.

ناصر .. "احتواء" القارة السمراء

"إنه زعيم زعماء أفريقيا".. بهذه العبارة لخـّص الرمز الإفريقي نيلسون مانديلا  مكانة جمال عبدالناصر بالنسبة للقارة السمراء، وزاد خلال زيارته الأولى لمصر عام 1995 وأثناء تكريمه بجامعة القاهرة:"كان لدي موعد قد تأخر ربع قرن مع رجل رفعت رأسي من بعيد كي يراه، ثم حالت ظروف قاهرة بينه وبيني لألقاه، وحين جئت إلي مصر فقد كان من سوء حظي أن جمال عبد الناصر لم يعد هناك، سأزور فى مصر ثلاث أماكن الأهرامات و النيل العظيم و ضريح الرئيس جمال عبد الناصر".

كلمات مانديلا – بما له من مكانة كبرى فى القارة- هى انعكاس لسياسة عبدالناصر الداعمة والمحتضنة لقضايا أفريقيا عموما ودول حوض النيل على وجه الخصوص.

 وكان مانديلا أيضا هو الذى صرح فى المؤتمر الصحفى عقب فوز جنوب أفريقيا بتنظيم كأس العالم 2010، وحصول مصر على صفر من الأصوات: "لو كان جمال عبد الناصر على قيد الحياة، ودخلت مصر المنافسة أمام جنوب أفريقيا على شرف إستضافة البطولة لانسحبت جنوب أفريقيا على الفور من الوقوف أمام مصر، ولكن الظروف تغيرت الآن ومصر لم تعد مصر عبد الناصر".

وفى ظل ما تواجهه مصر من مشاكل مع دول الحوض منذ اتفاقية عنتيبي التي لم توقع عليها القاهرة، وتتضمن "توزيعاً عادلاّ لمياه النيل"، جاءت شهادة رئيس الوزراء الكينى الأسبق رايلا أودينغا أثناء زيارة لمصر قبل نحو 10 سنوات، لتؤكد مدى إيجابية دور جمال عبدالناصر فى دول المنابع:"الدول الإفريقية لن تكون وفية لما قدمته مصر عبدالناصر، إذا أضرت بمصالح مصر في نهر النيل، والدور التاريخي الذي لعبته مصر فى عهد الرئيس عبد الناصر هو الذي حرر القارة السمراء".. هكذا قال أودينغا الذي عبرعن امتنانه البالغ لمصر وعبدالناصر الذي منح والده جاراموغي أودينغا جواز سفر مصرياً، ليتمكن من التحرك بحرية بعد أن سحب الاستعمار البريطاني أوراق والده ليمنعه من المطالبة باستقلال كينيا في المحافل الدولية.

وعلى الرغم من هذه الشهادة، فإن بعض الشخصيات المصرية البارزة إتهموا جمال عبد الناصر بالتسبب فى سوء العلاقات المصرية الأفريقية لإهتمامه بالعرب على حساب الأفارقة، وكان الدكتور مصطفى الفقى الدبلوماسي والمفكر السياسي المعروف، هو أول من صرح بذلك ، ثم نشر الكاتب الصحافي الدكتورعبد المنعم سعيد مقالا يحمل نفس المعنى .

لكن محمد فائق، وزير الإعلام الأسبق، والذى يعد رجل عبد الناصر للمهام الخاصة فى أفريقيا، أصدر كتابا عنوانه "عبد الناصر والثورة الأفريقية"، تضمن كثيرا من الوقائع والأدلة التى تثبت رؤية عبد الناصر بعيدة النظر لأهمية القارة الأفريقية بالنسبة لمصر، ودول حوض النيل بالذات، مشيرا إلى أن عبد الناصر هو الذى ساعد على تحرير كينيا وأوغندا وتنزانيا والكونغو وهى من أبرز دول حوض النيل.

ثورة 1952 – التي يعتبرها البعض حركة أو انقلابا للجيش على الملك فاروق- بالنسبة لقارة أفريقيا بمثابة الثورة الفرنسية بالنسبة لقارة أوروبا، قبل ذلك التاريخ لم تكن لمصر علاقات خارجية بدول القارة الأفريقية ماعد أثيوبيا والصومال وجنوب أفريقيا ، ولكن بعدها كلف عبد الناصر، محمد فائق أن يقوم بدراسة أوضاع القارة وأن يتصل بكل حركات التحرير الأفريقية ، وأن يقيم علاقات مع الطلاب الأفارقة الذين يدرسون بالأزهر الشريف، ومع الحجاج الأفارقة الذين يصلون لمصر قبل توجههم للأراضى المقدسة.

ويوضح فائق أن مصر لم تتأخر فى دعم ومساندة كل حركات التحرير فى القارة الأفريقية ، كما قامت ببث عشرات الإذاعات الأفريقية الموجهة باللغات المحلية للأفارقة، مشيرا إلى أنه فى عام 1963 أنشأ الرئيس جمال عبد الناصر مع قادة أفريقيا منظمة الوحدة الأفريقية، ويجعل عبد الناصر مقرها فى أثيوبيا إرضاء لشعوب أفريقيا على اعتبار أن شعب أثيوبيا أسود مثلهم، والأهم إرضاء الإمبراطور الأثيوبى هيلاسيلاسى الذى كان يحاول بين وقت وأخر الاحتجاج على مشروعات المياه المصرية والسد العالى.

ويتناول فائق ملاحظة الرئيس عبد الناصر لخطة الاستعمار تعليم الأقليات المسيحية فى الدول الأفريقية ذات الأغلبية المسلمة العلوم الطبيعية (الطب-الهندسة-الصيدلة)، وذلك لكى يخلق منهم طبقة موالية له دينيا وسياسيا تتحكم فى الأغلبية المسلمة، لذا كان قرار عبد الناصر تحويل الأزهر إلى جامعة عصرية وإنشاء مدينة البعوث الإسلامية لإستقبال ألاف الطلاب الأفارقة وربطهم بمصر عبر تعليمهم علوم العصر وهو ما أتى ثماره فيما بعد فقد أصبح منهم حكام ووزراء ومسئولين فى بلدانهم .

كما أنشأ عبد الناصر بأموال الدولة المصرية البطريركية المرقسية فى القاهرة لتكون الكنيسة الأم فى القارة الأفريقية، وتنضوى تحت سلطتها الكنيسة الأثيوبية، ويصبح البابا المصرى هو الزعيم الروحى لمسيحيي أثيوبيا وحكامها، ودعا الإمبراطور هيلاسيلاسى لحضور حفل إفتتاحها عام 1964.

ويقول الكاتب الراحل الدكتورسامى منصور، مستشار مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بـ"الأهرام"، إن النفوذ المصرى فى أفريقيا وصل فى عهد جمال عبد الناصر إلى الحد الذى جعل فرنسا تفاوض مصر على اقتسام مناطق النفوذ فى القارة السمراء.

وأشار إلى كتاب"جمال حمدان ولمحات من مذكراته الخاصة"، الذى قال فيه  العالم الراحل إن جمال عبد الناصر"هو الحاكم المصرى الوحيد الذى فهم الجغرافيا السياسية لمصر".

السادات.. والحرب الباردة في الأحراش الإفريقية

هناك ثمة إجماع بين المحللين على أن مصر بدأت  فى عهد الرئيس السادات، الخروج من أفريقيا ودخول إسرائيل مكانها، حيث تحولت القارة السمراء إلى ساحة من ساحات الحرب الباردة، وأنخرط الرئيس الرحل فى مغامرات اعتبرها خصومه"عقيمة"، وتخدم مصالح القوى الإمبريالية، وكان منها نادى "السافارى"، وهو حلف ضم 5 دول هى فرنسا وإيران "فى عهد الشاه" والسعودية والمغرب، فضلا عن مصر.

وكان هدف هذا الحلف حماية المصالح الغربية فى أفريقيا عبر محاربة التسلل الشيوعى فى القارة السمراء، وعندما تعرضت سلطة الديكتاتور موبوتو سيسى سيكو للخطر فى الكونغو"زائير وقتها"، تدخلت قوات مصرية ومغربية تابعة للنادى لإجهاض التمرد، وتثبيت موبوتو على عرشه ،كما حارب نادى السافارى الثورة الشيوعية فى أثيوبيا التى قادها منجستو هيلا ميريام، وهو ما تسبب فى أزمة فى العلاقات المصرية الأثيوبية وقتها.

ويؤكد معارضو الرئيس الراحل أن نشاط نادى السافارى الذى ورط فيه السادات مصر، كان يتم برعاية وتنسيق من المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلى، منوهين فى الوقت نفسه بأنه فى عهد السادات تم إهمال نشاط شركة النصر للإستيراد والتصدير إلى أن تم تصفيتها فى الثمانينيات.

ويقول الراحل الدكتور بطرس غالي، الذى حمل على عاتقه ملف العلاقات مع إفريقيا من خلال وزارة الدولة للشؤون الخارجية، فى كتابه"طريق مصر إلى القدس" أنه سافر إلى أثيوبيا حاملا رسالة من السادات إلى هيلاميريام، ولكن منجستو رفض مقابلته وكلف أحد وكلاء وزارة الخارجية الأثيوبية بتسلم رسالة السادات منه وهو فى المطار، دون أن يسمح له بمجرد الخروج من المطار، وبعدها استقل الدكتورغالى الطائرة عائدا إلى مصر.

ويشير غالى إلى أن كل همه كان ألا تعرف الصحافة بالأمر، وفى موضع أخر من نفس الكتاب يقول أنه رصد تراجع الدور المصرى فى أفريقيا، لذا طلب من أنيس منصورالصحفى المقرب من الرئيس السادات، أن يفاتح الرئيس فى ذلك خاصة بشأن سوء العلاقات المصرية الأثيوبية، وأهمية تحصين حقوق مصر فى مياه النيل القادمة من هضبة الحبشة، ولكن أنيس منصور رفض ذلك وقال لغالى:"إن مثل هذه المسائل لا تهم الرئيس الآن، فهو لا يهتم إلا بمصلحته السياسية المباشرة".

ووصلت الأزمة بين السادات وأثيوبيا، إحدى أهم دول حوض النيل، إلى الذروة بعد تهديد الرئيس الراحل بشن الحرب على أديس أبابا، عقب الأزمة التي تسبب فيها هو نفسه عندما أعلن فجأة عن مشروع أطلق عليه اسم "زمزم الجديدة"، ويقضي بتوصيل مياه النيل الى مدينة القدس ليشرب منها الحجاج المسلمون والمسيحيون واليهود للمدينة المقدسة، وكذلك توصيلها لصحراء النقب في اسرائيل مقابل موافقة رئيس وزرائها وقتها مناحيم بيجن على الجلاء عن الأراضي الفلسطينية.

وأعلن السادات أثناء زيارته الشهيرة للقدس في 1979، اعتزامه مد مياه النيل التي ستروي سيناء إلى صحراء النقب في إطار اتفاق عام للسلام بين إسرائيل والبلدان العربية، والمعروف أن الرئيس الراحل  كان قد استخدم فكرة مشروع "ترعة السلام" كورقة تفاوضية لحث إسرائيل على احترام حقوق العرب - المسلمين في مدينة القدس، ووقف النشاط الاستيطانيِّ في الضفة الغربية وغزة، والبدء في إزالة المستوطنات القائمة آنذاك.

وهدد الرئيس الأثيوبي وقتها منجستو هايلا مريام بالتدخل لخفض حصة مصر من المياه مادام لديها فائض ترسله لإسرائيل، بالإضافة الى عدم جواز نقل المياه الى دول أخرى وفي قارة اخرى، ورد على التهديد المصرى بشن الحرب على بلاده بقوله أنه سيحوّل مياه النيل إلى لون الدم.

كما ان الرئيس السوداني وقتها جعفر النميري سارع برفض اقتراح السادات، فما كان من الأخير إلا أن تهكم عليه في خطبة علنية وهدد باللجوء إلى القوة لإجبار إثيوبيا على التراجع عن مطالبها آنذاك بإعادة النظر في الطريقة التي تتقاسم بها دول حوض النيل مياه نهر النيل.

وأكد السادات أن الجيش المصري لن يحارب خارج حدوده، إلا من أجل المياه وذلك عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع اسرائيل.

وإذا كان خصوم السادات يقولون إنه أعطى ظهره لإفريقيا ودول حوض النيل، فإنه فى المقابل وجد من يلتمس له العذر، بأن مصر كلها أعطت ظهرها للقارة السمراء بعد هزيمة يونيو 1967، وأنه كان المهم وقتها تركيز الجهود نحو الشرق حيث القوات الإسرائيلية التى تحتل سيناء، وهناك أيضا من دافع عنه فى هذه النقطة، حيث كتب محمد أبو الحديد، رئيس مجلس إدارة دار التحرير السابق، بجريدة الجمهورية، ردا على الاتهامات الموجهة للنظام بالتخلي عن افريقيا:"كانت مصر عبد الناصر في طليعة الحركة التى تقدم لها في كل الدول الافريقية كل أشكال المساعدة وتفتح أبوابها لكل اللاجئين السياسيين الذين يطاردهم الاستعمار من قادتها، لكن ذلك لم يمنع من ان تتفجر قضية (مياه النيل) في وجود عبد الناصر مرتين، قبل بناء السد العالي وبعده.. وكانت اتفاقية 1959 مع السودان إحدى ثمار سعي مصر وقتها لتسوية الخلاف انتهت هذه الفترة ولايمكن استعادتها ولا يجوز أيضا ان يظل البعض يعيشون في جلبابها".

وأكد أن "الرئيس السادات لم يغفل افريقيا أبدا،على العكس، كان يعتبرها ظهره وهو يستعد لمعركة تحرير الأرض في أكتوبر 1973، واستفاد من الزخم الذي تركه عبد الناصر والوجود السياسي والأدبي الذي بناه لمصر في افريقيا، ولذلك وقبل ان تبدأ مصر الحرب، كانت كل افريقيا معها".

مبارك..  يهدد زيناوي

بعد وفاة الرئيس السادات، وتولى حسني مبارك للرئاسة العام 1981، حدثت مشاكل بين مصر والسودان عقب الإنقلاب العسكرى الذى قادته جبهة الإنقاذ عام 1989، والدورالذى لعبه حسن الترابى- شريك البشير فى السلطة وقتها- فى تأزيم العلاقة مع القاهرة، ودعمت مصر حركة تحرير جنوب السودان بزعامة الراحل جون جارانج ضد نظام "البشير-الترابى"، ثم انفجرت الأوضاع بعد محاولة إغتيال الرئيس مبارك فى أثيوبيا عام 1995 لتصل إلى أسوأ ما يمكن، ليبدأ بعدها النزاع المصرى السودانى على مثلث حلايب وشلاتين.

وبعد خروج الترابى من السلطة فى الخرطوم بدأت العلاقات المصرية السودانية تتحسن مرة أخرى، وتوقفت مصر عن دعم حركة تحرير جنوب السودان، ولكن فى نفس الوقت بدأ الدخول الإسرائيلى والأمريكى والصينى والإيرانى فى القارة الأفريقية، وكان ذلك خصما من الدور المصرى الذى بدأ مسيرة انحداره منذ عهد الرئيس السادات.

وبعد  أزمة اتفاقية "عنتيبى"، بدأ مبارك تحركات وصفها دبلوماسيون حينذاك بـ"الواعية والذكية والهادئة" لاستعادة الود في علاقات القاهرة مع دول حوض النيل من ناحية، وإحباط  ما يعتبرونه "مؤامرة" تحاك سرا ضد مصر من ناحية أخرى .وسرعان ما تلقفت أجهزة الدولة ووزاراتها تعليمات الرئيس بإعادة النظر فى العلاقات مع دول الحوض ودعمها، حتى راحت مختلف الجهات تعلن استعدادها للتعاون المكثف مع دول المنابع، من الكهرباء والزراعة، إلى الإستثمار وكرة القدم. 

في العام 2010 استقبل مبارك نظيره الاريترى أسياسى أفورقى في شرم الشيخ، ورغم أن البعض قد لا ينظر لزيارة الرئيس الاريترى لمصر في الظروف العادية باهتمام بالغ ويعتبرها أمرا معتادا في علاقات الدول، إلا أن توقيتها يحمل دلالات هامة جدا ليس فقط لأن اريتريا تعتبر إحدى دول حوض النيل العشر، وإنما لأن لها دور مؤثر وخاصة فيما يتعلق باثيوبيا التي تتزعم دعوات إعادة توزيع الحصص في مياه النيل، وقادت 5 من دول المنابع لتوقيع الإتفاقية التى تقضى بإعادة تقسيم حصص مياه النيل.

والمعروف أن هناك توترا في علاقات إريتريا وأثيوبيا يعود إلى عام 1993، عندما أعلنت الأولى استقلالها عن أديس أبابا بعد "أربعة عقود من الاحتلال الاثيوبي" بحسب تعبير أسمرة، وسرعان ما قامت اريتريا في عام 1998 بالاستيلاء على مناطق حدودية متنازع عليها مع جارتها الكبرى وهي زالامبيسا وبادمي وأيروب واليتينا، وهو الأمر الذي فجر حربا مع اثيوبيا استمرت عامين وانتهت بعد توقيع سلام بين الدولتين في عام 2000 برعاية الجزائر التي كانت ترأس منظمة الوحدة الإفريقية آنذاك .

وباختصار؛ فإن السنوات الأخيرة من فترة حكم مبارك، شهدت انكماشا وترديا في العلاقات أو جمودا بين مصر من جهة، وكل دول النيل الأخرى من جهة ثانية.

وبالنسبة لسد النهضة، فإن التحرك المصري أيام مبارك انطلق رسميا في العام 2006 عندما حذر الرئيس الراحل – بحسب تقارير عديدة- رئيس الوزراء الأثيوبي حينذاك ملس زيناوي من حجز مياه النيل عن مصر، مؤكدا أن أي مشروع لحجز المياه عن مصر سيحدث أزمة كبيرة. وهدد مبارك بتدخل عسكري في إثيوبيا. 
لكن زيناوي أعلن في العام 2010 أن ليس من حق مصر منع إثيوبيا من إقامة سدود على نهر النيل، وأن مصر لا يمكن أن تنتصر في حرب ضد إثيوبيا.

مرسي .. وكل الاحتمالات

بعد رحيل مبارك، ذكرت التقارير الفنية لخبراء مصريين أن بناء سد النهضة سيؤثر سلبا على مصر، فيما تضمن اجتماع قاده الرئيس الراحل محمد مرسي مع عدد كبير من الشخصيات السياسية، تلميحات عسكرية باستهداف السد. وقال مرسي أنذاك إن مصر لا تريد خلافا مع إثيوبيا لكن كل الخيارات مطروحة.
لقد اعتبر أنصار الرئيس مرسي أن اجتماعه هذا مع القوى السياسية من مختلف الاتجاهات- والذي أثار جدلا كبيرا- يمثل حنكة كبيرة، إذ أراد الرئيس الراحل من خلاله توصيل رسالة للجانب الإثيوبي بوحدة الموقف الوطني المصري في هذه القضية.

ولخص مرسي ملف مياه النيل وبناء سد النهضة بمقوله شهيرة له : "دماؤنا فداء لكل قطرة ماء تنقص من حصة مصر من مياه النيل"، إذ أدرك من اللحظة الأولى- بحسب مؤيديه- مستوى التهديد الذي يمثله سد النهضة تجاه المصريين، وقيمة نهر النيل والخطر الذي يتعذر تداركه إذا تم بناء سد النهضة بقرار منفرد من إثيوبيا.

يرى مؤيدو الرئيس الراحل، أنه استخدم كل أوراق القوة لمواجهة هذا التحدي الخطير، ولوّح بها، وترك الباب مفتوحا للجانب الإثيوبي أن يتوقع أي احتمال.

وفي مايو 2013 ذكرت تقارير إثيوبية أن مرسى بحث مع السودان توجيه ضربة عسكرية لسد النهضة.

 ونقلت مجلة "ديلى إثيوبيا" عن مصادر استخباراتية أن الرئيس مرسي يفتح خطًّا ساخنًا مع الخرطوم لبحث استخدام الخيار العسكري بطائرات "إف 16"، بعد تمادت إثيوبيا في بناء السد .

وأضافت المجلة أن الغضب المصري السوداني ورغبتهما فى تدمير السد راجع إلى الخسارة المائية والكهربائية الكبيرة التي ستصيب دولتي المصب، والتي قد تصل إلى ما بين 8 إلى 18 مليون متر مكعب.
لكن الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، انتقد تصريحات الرئيس مرسي بشأن السد، وقال إن مصر ليس أمامها إلا خيار واحد هو التفاوض.

السيسي.. وقبول الأمر الواقع

في العام 2014 استأنف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس وزراء إثيوبيا السابق هايلي ماريام ديسالين، عمل اللجنة الثلاثية حول السد وإجراء الدراسات، حيث اتفق الجانبان في العام نفسه على تنفيذ توصيات لجنة "خبراء دولية" اجرت دراسات بشأن السد. الأثيوبي الذي يعد الأكبر في القارة السمراء. 
واتفقت مصر والسودان وإثيوبيا على معايير عامة لتقييم واختيار الشركات الاستشارية لإجراء دراسات فنية. وفي العام 2015 وقعت الدول الثلاث على "إعلان مبادئ سد النهضة"، والاتفاق على كيفية إنجاز السد وتشغيله دون الإضرار بمصر والسودان.

ورفضت أثيوبيا مقترحا مصريا بزيادة فتحات تصريف المياه خلف السد من بوابتين إلى أربع بوبات، مؤكدة أنها لن تتوقف عن بناء السد ولو للحظة.

وفي العام 2017 تم الاعلان عن فشل اجتماع للجنة الفنية الثلاثية المعنية على المستوى الوزاري، بالقاهرة، حيث اقترحت مصر مشاركة البنك الدولي كوسيط محايد في أعمال اللجنة الثلاثية، وهو ما رفضته اثيوبيا، وفي 2018 أعلنت مصر فشل اجتماع جديد في الخرطوم عقد بمشاركة وزراء الخارجية والري ورؤساء أجهزة المخابرات بالدول الثلاث، كما أعلن عن فشل اجتماع ثلاثي آخر في إثيوبيا،في العام ذاته.

وأكد السيسي في أكثر من مناسبة أن الدولة المصرية بكل مؤسساتها ملتزمة بحماية الحقوق المصرية فى مياه النيل.

يرى معارضو السيسي أن نظامه تعامل مع السد على أنه واقعٌ يمكن قبوله، وطلب من أديس أبابا استئناف المفاوضات مرة أخرى، وأن توقيعه في مارس عام 2015 على وثيقة "إعلان مبادئ سد النهضة"، والتي تسمح للدول الثلاث (مصر، السودان، إثيوبيا)، ببناء السدود على نهر النيل لتوليد الكهرباء، يعني "اعترافًا مصريًا سودانيًا بشرعية بناء سد النهضة"، بل وزادوا بأن الرئيس المصري وقع على تلك الوثيقة ضمن صفقة تقضي باعتراف أفريقي كامل بنظامه، إذ سبق وعلّق الاتحاد الافريقي ومقره أثيوبيا، عضوية مصر، بدعوى أن السيسي وصل للسلطة عبر انقلاب عسكري أطاح بسلطة منتخبة. 

ووفقًا لمراقبين فإن السيسي لم يوافق على بناء السد فقط بل وافق أيضا على تخفيض حصة مصر من المياه بشكل دائم بأكثر من ثلثها، حيث تصر إثيوبيا أن تكون الحصة 35 مليار متر مكعب (نزولا من  55.5 مليارا)، بينما حاول الرئيس المصري دون جدوى رفعها إلى 40 مليار متر مكعب فقط.

وبحسب منتقدي السيسي فإن الفجوة بين العرض والطلب في مصر ستتسع إلى الضعف، وهذا يعني بوار نصف كمية الأرض الزراعية التي تعتمد على مياه النيل، وفقدان أكثر من مليون وظيفة و1.8 مليار دولار من الناتج الاقتصادي سنويا، كما ستفقد مصر كهرباء بقيمة 300 مليون دولار.
















التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.