الجمعة 14 صفر / 02 أكتوبر 2020
12:40 ص بتوقيت الدوحة

النسر السجين

النسر  السجين
النسر السجين
تاقت نفس السجناء إلى رؤية ما يحيط بسجنهم المنعزل، فاختلسوا النظرات من شقوق الجدران والأسوار إلى الفضاء الواسع والسهول والحقول المحيطة بسجنهم، وما ظفروا إلا بمناظر محدودة، وما وقعت نواظرهم إلا على رقعة من الأرض تعلوها الثلوج، أو ناحية من السماء تغطيها الغيوم، رأوا بسطة من سهول سيبيريا الملأى بالأدغال التي تتدلى من أيدي السجناء وأعناقهم، تلك حياة السجناء في منفاهم النائي القائم وسط سهول الكرغس على أطراف سيبيريا.
حمل يوماً أحد السجناء نسراً وجده بين حي وميت، وأدخله معه إلى غرف السجن المظلمة، إشفاقاً عليه وعلى جراحاته، وأذيق ملك الجوّ حياة القيد والأسر، وكان هذا النسر قد أصيب بجرح في جناحه، فأصبح عاجزاً عن الطيران والتحليق في أجواء الفضاء، فحمله السجين إلى غرفته ليسري عن عواطفه المكبوتة، وينفس عما يجيش في أعماق نفسه من حب للحرية والانطلاق، وحالما وطئ النسر أعتاب السجن انكمشت نفسه وتبدلت حالته ولفّ أعضاءه بجناحيه وفرد ريشه ليستر نفسه يواريها عن عيون السجناء.
وكأن ملك الجو لم يرضَ بتلك الحالة، ولم يقبل على نفسه هذا الانحباس المريع، وكأن لسان حاله يقول: ليس عهدي أن أسجن! وما حياة الأسر تواتيني! فالحرية ضالتي المنشودة، والفضاء الواسع مسرحي!
وعبثاً حاول السجناء مداعبته أو إخراجه من مربضه، وظل على هذه الوتيرة وهذا المنهاج من العيش حتى أشرف على الموت، فلحظ حالته الشاذة جميع أهل السجن، فصرخ أحدهم: دعوا المسكين يموت في ظلال الحرية، فهو ليس مثلنا يستطيع أن يكيّف نفسه، ويقبل حياة الأسر ويرضى بالعبودية، هو طائر ألف الحرية منذ كان هيثماً.
واستحوذت على السجناء فكرة تحرير النسر فتألبوا عليه، وحمله فريق منهم خارج السور، ورموه في السهول تاركيه لرحمة الله في الطبيعة والمقادير، فما كان من النسر الجريح إلا أن شدّ عزيمته وأنسته حياة البرية جراحاته، وانطلق قدماً حيث السهول الواسعة والأجواء الطليقة.
وهتف السجناء وتهامسوا فيما بينهم مرددين كلمة الحرية! الحرية! ولسان حالهم يقول: ما أحلى الحرية والعيش في ظلالها! فهي أنشودة الطير والإنسان وأمنية كل مخلوق يدبّ على وجه البسيطة، فأين لنا بالحرية ونحن في مجاهل سيبيريا وسجونها؟!
تحكي لنا هذه القصة التي أتحفنا بها الكاتب الروسي العظيم ديستوفسكي، ونقلها إلى العربية كلّ من منير وجوزيف عبّود قصة الحرية التي تنشدها كل مخلوقات العالم الحية، وعلى رأسها الإنسان الذي بذل في سبيلها كل غالٍ ورخيص منذ أزل التاريخ وحتى وقتنا الحاضر، فلم يدّخر جهداً ولا وسيلة لنيل حريته وكرامته.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا