الإثنين 20 ذو الحجة / 10 أغسطس 2020
02:37 ص بتوقيت الدوحة

قانون قيصر ودبلوماسية العقوبات

قانون قيصر ودبلوماسية العقوبات
قانون قيصر ودبلوماسية العقوبات
لم تشارك الولايات المتحدة الأميركية في أي تحرك دبلوماسي جدي لحل الأزمة السورية، وفضّلت الانسحاب من المشهد لسنوات عديدة، كان السوريون فيها بأشد الحاجة للدعم السياسي والعسكري، إن لم يكن لنصرتهم، فعلى الأقل لوقف معاناتهم الإنسانية التي شهدها العالم أجمع، ولم تكن الولايات المتحدة الأميركية بحاجة إلى صور تثبت تلك الحقائق الدامغة، وأعني الـ 55 ألف صورة لمواطنين ماتوا تحت التعذيب والتجويع في سجون ومعتقلات النظام السوري، سلّمها المصوّر العسكري السوري المنشق إلى المشرعين الأميركيين، والتي على ضوئها أصدروا «قانون قيصر سوريا للحماية المدنية».
أما الديباجة الأميركية التقليدية والمتكررة بعد إصدار واشنطن أي إجراءات أو عقوبات اقتصادية ضد دولة معينة فهي: «أن الهدف من العقوبات ليس إسقاط النظام بل تغيير سلوكه»، ولا نعلم حقيقة، هل ندين هذا الاعتراف الخطير بعدم إقدام الولايات المتحدة على إزالة نظام سياسي إجرامي؟ أم نحترم هذا الموقف الأميركي العقلاني ورغبتها الصادقة في تعديل سلوك الأنظمة السياسية؟!
الحقيقة أن تعديل سلوك نظام ديكتاتوري متهم بارتكاب جرائم ضد شعبه، يعني أن يتعاون هذا النظام مع الشرعية الدولية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وفي الحالة السورية أن يوافق نظام بشار على مقررات جنيف 1، والتي تهدف إلى إحداث تغيير سياسي، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإطلاق المعتقلين السياسيين، والسماح بالتظاهر السلمي واحترام حرية التعبير.
وهل من الممكن أن يسمح بشار بكل هذا؟ لأن النتيجة الحتمية لأي انتخابات حرة نزيهة لشعب ثار على نظامه السياسي هو أن يخرجه من السلطة!
لذلك من غير المنطقي الحديث عن أن العقوبات تستهدف تغيير سلوك النظام السوري، بل هي حتماً ستؤدي في النهاية إلى تغيير النظام.
وإذا ما افترضنا أن بشار تعامل بإيجابية مع القانون، فمن أجل المماطلة وكسب الوقت، ولكنه بآخر المطاف سيرفضه ويقاومه بكل ما أوتي من قوة.
هذا الأمر لا يخفى عن الرأي العام السوري والعربي بل والعالمي، ولكن أسياد واشنطن لديهم حسابات خاصة، وأهمها عدم إسقاط النظام السياسي السوري ككل، والاكتفاء بتبديل الوجوه، وأقصد بشاراً، عن طريق حثّ أو إرغام حلفائه في الداخل «الجيش» وحلفائه في الخارج «الروس» على هذا الأمر بواسطة قانون قيصر.
يعلم الجميع أن المصلحة الأولى للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط هي أمن إسرائيل، وأن الأخيرة تهتم بالملف السوري لقربها الجغرافي منه، وبالتأكيد لن تسمح بسوريا موحّدة وديمقراطية، لأنها ستكون دولة قوية، ولذلك يبتعد السياسيون الأميركيون عن ملف سوريا الشائك منذ سنوات، ولن يكون قانون قيصر استثناء من هذه السياسة، لذلك من المرجح أن يؤدي القانون إما إلى تقسيم سوريا أو في أفضل الاحتمالات إلى استبدال بشار، مع الإبقاء على نظامه واستنساخ تجربة العراق الطائفية والعرقية التي أضعفته.
ختاماً: دبلوماسية العقوبات التي تمارسها أميركا وآخر مظاهرها «قانون قيصر» لها أبعاد إقليمية، فقد تؤدي إلى تحويل العديد من الدول الهشّة بالمنطقة مثل لبنان، إلى دول فاشلة تهدّد الأمن الإقليمي والدولي، فمن التداعيات الاقتصادية لقانون قيصر، تعميق الانهيار الاقتصادي في سوريا ولبنان في الأشهر الأخيرة، خوفاً من عقوبات أميركية قد تطال شخصيات ومؤسسات مالية رسمية وغير رسمية لبنانية، ولا يخفى على أحد مدى تورط أطراف لبنانية في الصراع السوري من الناحية العسكرية والمالية واللوجستية، وقد تتفجر الأوضاع في لبنان قبل سوريا.
الخلاصة: سياسة الضغوط القصوى على كل الأطراف «إيران، العراق، سوريا، لبنان» لا يمكنها أن تنجح، يجب تحييد بعض الأطراف والتفاوض بعقلانية معها، ومن ثم الضغط على الأطراف الأخرى، إذا كانت النوايا حسنة، وأنا أشك في ذلك، خصوصاً بعهد السيد ترمب.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.