الأحد 09 صفر / 27 سبتمبر 2020
07:49 م بتوقيت الدوحة

الوصفة السياسية

الوصفة السياسية
الوصفة السياسية
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد مقادير مكوناتها ولا تنقص. فإذا زادت، لا تصلح الوصفة أو يقلّ مفعولها أو تفسد وقد تضرّ. لا بدّ أن تكون الجرعة بمقادير محدّدة وفي أزمان محدّدة حتى يتعالج المريض. وكذلك الحال مع خلطة البناء؛ حيث يحرص المعماري أن تكون نسبة الإسمنت إلى الماء إلى الرمل بمقادير محدّدة حتى يكون البناء قوياً، لكن كثيراً ما نرى عاملاً لا يجيد الصنعة يزيد كمية الإسمنت بعد أن تكون الخلطة قد استوفت شروط الكمال، وقد يطلب طباخ فاشل زيادة الملح أو الزيت بعد أن تكون الطبخة قد استوت ولذّ مذاقها.. وهكذا الحال في السياسة؛ حيث ينفلت المشهد المتوازن عندما يهتف مندفع بأن الوضع يحتاج لمزيد من التصعيد وأن الثورة لم تبلغ غاياتها بعد.
عند تطبيق هذا التنظير على الثورة في السودان، نلاحظ أن الثورة قد بلغت في أكثر من مناسبة مرحلة معقولة من التوازن في أعقاب سقوط نظام البشير. ويُفترض أن تظهر ملامح النظام البديل عند تلك المراحل من التوازن، لينصرف الجميع نحو التنمية والبناء وتقديم الخدمات للشعب الذي أشعل الثورة وأسقط النظام السابق أملاً في وضع أفضل مع العهد الجديد، لكن أصواتاً علت عند مرحلة النضج تحتج على توازن الائتلاف المدني العسكري بدعوى أن وجود العسكريين يفسد الوصفة، ودعت تلك الأصوات لمزيد من التصعيد لإقصاء العسكريين رغم دورهم المشهود في إنجاح الثورة. فكان ذلك أحد معالم إفساد الوصفة السياسية بعد نضجها.
وبعد أكثر من عام، ما زالت أصوات مؤثّرة تدعو للالتزام بالتصعيد حتى تكون الحكومة تحت ضغط دائم. وقد تتعدّى آثار هذه الدعوة حدود الضغط على الحكومة إلى إفشال التجربة الديمقراطية، فللحرية معادلة دقيقة لا بدّ من مراعاتها. تتمثّل المعادلة في أن الحرية قيمة من العظمة، بحيث لا يجوز الاحتيال عليها بدعاوى الترشيد، وهي كذلك قيمة من العظمة بحيث لا يجوز تشويهها بدعاوى الإطلاق. ولتحقيق هذه المعادلة تتحمّل القوى السياسية الديمقراطية مسؤوليتها في الالتزام الذاتي بالضوابط الضرورية الحامية للديمقراطية. ولتجاوز هذا التنظير المجرد وتأكيد صحة المعادلة، نشير إلى التجارب الديمقراطية الماضية لتجنّب أخطاء قادت لانهيار تلك التجارب، وأقربها تجربة الديمقراطية الثالثة حين استغل الانقلابيون ثغرات في أداء تلك الفترة، فصوّروا حرية التعبير مهاترة محضة وحق الإضراب ابتزازاً لا غير واختلاف الرأي حول قضية السلام مزايدة سياسية، وروّجوا لتلك المزاعم مستعينين بتراخي صاحب التجربة وإهماله ليدّعوا عدم صلاحية الديمقراطية لدول العالم الثالث، ممهّدين بذلك للإطاحة بالنظام الديمقراطي، كما حدث بالفعل في يونيو 1989. وقطعاً لن يكون من الكياسة السياسية في شيء تعريض التجربة الديمقراطية الجديدة لمخاطر شبيهة، بجعل التجربة الجديدة تبدو وكأنها مدخلاً للتراخي والفوضى وابتذال معاني الحرية، فيكون كل ذلك ذريعة لوأد التجربة الديمقراطية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.