الجمعة 14 صفر / 02 أكتوبر 2020
01:29 ص بتوقيت الدوحة

زيارة غامضة!

زيارة غامضة!
زيارة غامضة!
ما أشبه الليلة بالبارحة؛ ففي أوائل شهر فبراير الماضي، سعى رئيس المجلس الرئاسي الانتقالي عبد الفتاح البرهان إلى لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا، وحرص على أن يكون الاجتماع غير مُعلَن، ولكن تل أبيب كان لها رأي آخر؛ فقد أراد نتنياهو استثماره سياسياً لتقديم نفسه للناخب الإسرائيلي على أنه صاحب الخطوات الأهم في التطبيع مع الدول العربية، بدخول السودان ضمن تلك المجموعة. ومنذ حوالي أسبوعين تقريباً، فعلها نائبه محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ولكن هذه المرة إلى إثيوبيا؛ حيث التقى رئيس الوزراء آبي أحمد، وحرص على أن تكون خاصة وفي الكتمان، ولكن الإثيوبيين كانت لهم وجهة نظر أخرى، خاصة في ظلّ الظرف السياسي الدقيق الذي تتم فيه الزيارة، المرتبط بالتأزيم في قضية سدّ النهضة والتوتر على الحدود المشتركة. وفي المرتين، فوجئ المكوّن المدني في المجلس الرئاسي، وحتى وزارة الخارجية، بأمر الزيارتين؛ حيث لم يتم إطلاعهم عليها قبل إتمامها.. فهل الأمر يعود إلى قرار شخصي منهما لم يُطلعا عليه أياً من الدائرة الضيقة المحيطة بهما من المستشارين، أم هي قلة خبرة سياسية منهما وهما جدد في العمل السياسي وفي فهم التعقيدات في التواصل مع المحيط الإقليمي؟!
دعونا نتفق على أن هناك علاقات وثيقة ومتينة تم نسجها بين قادة السودان الجدد، بمكوّنه العسكري والمدني، مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، خاصة أنه صاحب الوساطة التي نجحت في التوصل إلى صياغة اتفاق سياسي أدّى في نهايته إلى تقاسم السلطة بينهما، خلال مرحلة انتقالية مدتها 39 شهراً، ونجح في إعادة الاستقرار -إلى حدّ ما- في السودان، كما أنه سبق للبرهان ورئيس الوزراء عبدالله حمدوك أن زارا أديس أبابا في مناسبات سابقة، ومع ذلك تبقى زيارة حميدتي ذات طبيعة خاصة، بعضها يعود في جزء منه إلى شخصية الزائر نفسه؛ فهو الرقم الأهم في المعادلة السودانية -مع كل الاحترام والتقدير لرئيس المجلس الرئاسي الانتقالي أو رئيس الوزراء- وهو من سيرسم مستقبل السودان، ويدير دفة أموره، فقد يذهب البرهان أو يُقال حمدوك، ولكن حميدتي يسعى ويخطّط بدأب شديد ليكون حاكم السودان القادم، سواء بزيّ عسكري أم برداء مدني، يساعده في ذلك أنه على رأس قوة الدعم السريع، وهي نتاج تشكيلات شبه عسكرية تدين له بالسمع والطاعة والولاء، تأتمر بأمره وتنفّذ تعليماته، حافظت على استقلالها وخصوصيتها، رغم ضمّها للقوات المسلحة، كما أنه مادياً يتمتع بقدرات مالية ضخمة نتيجة سيطرته على جبال الذهب في السودان، والتجارة فيه، وهكذا يستطيع «بسيف المعز وذهبه» أن يكون رجل السودان القادم، قبل انتهاء المرحلة الانتقالية أو بعدها، بتغيير سلمي، أو حتى بانقلاب عسكري؛ وفقاً للظروف.
وفي كل الأحوال، فقد تم استخدام الزيارة من قِبل إثيوبيا كورقة سياسية في الصراع الدائر في إعادة رسم المنطقة، خاصة دول حوض النيل، وأحد عناوينها سدّ النهضة، الذي يتيح لأديس أبابا دوراً محورياً في مساعدة دول الحوض، ومدّها بالكهرباء، والمساهمة في تنميتها، على حساب الدور التاريخي للقاهرة. فكانت رسالة لها أنها تستطيع استقطاب رجل السودان القوي والقادم إلى جانبها، في ظلّ وضع دقيق ومتأزّم مع الخرطوم، وخرج البيان الرسمي -الذي صيغ بلغة خشبية اعتدنا عليها- من أن الزيارة تناولت تطوّرات سدّ النهضة، والتوترات على الحدود بين البلدين. وكان الأمر بعيداً عن الحقيقة؛ فبعد يوم واحد من مغادرة حميدتي العاصمة، اخترقت ميليشيات إثيوبية الحدود مع السودان، توغّلت واعتدت على مشاريع زراعية، كما اشتبكت مع قوة سودانية في معسكر تابع لها، وهذا يعني ببساطة أن حميدتي لم يتناول -من قريب أو بعيد- أية آليات لتهدئة التوتر الحدودي، والشيء نفسه يُقال على أزمة سدّ النهضة، التي استمرت على حالها، واستدعى الأمر عقد قمة إفريقية محدودة للبحث في القضية ومناقشتها في مجلس الأمن.
الزيارة وما جرى فيها، والحفاوة التي تم استقبال حميدتي بها، حتى لو كانت للبحث في وسائل لمزيد من أعماله التجارية الخاصة، وهو الاحتمال الأقرب؛ فإنها تمثّل استثمار إثيوبيا في المستقبل القريب مع رجل السودان القادم، ومن هنا تنبع خطورة الزيارة التي تؤسّس لتحالفات جديدة في منطقة حوض النيل، والمتضرّر الأكبر مصر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.