الجمعة 07 صفر / 25 سبتمبر 2020
04:47 ص بتوقيت الدوحة

الربيع الأميركي: مصير إسرائيل

الربيع الأميركي: مصير إسرائيل
الربيع الأميركي: مصير إسرائيل
إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات المسيحية الصهيونية، ورغبة المحافظين الجدد المدفوعين بالعقيدة المسيحية الصهيونية هي التي تقرر مصير هذا الكيان وتحدد ملامح وجوده، إن انهيار أميركا سيضعف إسرائيل استراتيجياً، لذا فالآلة الصهيونية -اللوبي اليهودي- لن تسمح بأي قوة اجتماعية «ثورة»، قد تضعف النسيج الاجتماعي والاقتصادي لأميركا، لأن ذلك يعني دينياً وسياسياً نهاية إسرائيل، لذا فمقاومة الحراك السياسي في أميركا قضية صهيونية بامتياز، ستجعل اللوبي اليهودي يبدع في احتواء الأزمة، إن السؤال الذي يدفعنا للربط بين مصير أميركا والكيان الصهيوني يجد مبرره في العديد من الأحداث المتسارعة التي حدثت في ولاية ترمب «اعتبار القدس عاصمة، صفقة القرن، الاستيطان، قتل مسلسل السلام...»: ما علاقة الكيان الصهيوني بنهاية أميركا وبالحراك الاجتماعي «الربيع الأميركي»؟
إن العقيدة الإنجيلية التي يمثلها اليمين المسيحي تتماهى مع العقيدة الصهيونية في الاعتقاد والإيمان بأن عودة المسيح مشروطة بقيام دولة يهودية، وهو ما يزكي مقولة هال ليندسي: «إن دولة إسرائيل هي الخط التاريخي لمعظم أحداث الحاضر والمستقبل»، لذا فالرئيس ترمب لم يغفل هذا المعطى، وجَرُؤَ على ما لم يجرؤ عليه غيره من الرؤساء السابقين، بتأكيده على يهودية الكيان الصهيوني والاعتراف بالقدس كعاصمة لهذا الكيان، والإسراع في تحقيق إسرائيل العظمى من النيل إلى الفرات، كحلم إنجيلي توراتي من خلال ما سُمي «صفقة القرن»، كما أن تعطيل مسار السلام يجد مبرراته الدينية في صعوبة تحقيق الشروط الرباعية العالقة في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، لأنها تمثل تعطيلاً لمجيء المسيح: فمطالبة الفلسطينيين بالقدس يعني إجهاض حلم الهيكل «كشرط لنزول المسيح»، كما أن عودة اللاجئين ضمن حلّ الدولتين، تتعارض من الناحية الديموغرافية مع مفهوم يهودية الدولة، أي تغليب العنصر اليهودي، فضلاً عن دعم الاستيطان والتوسّع الصهيوني جغرافياً، إلا أن الشرط الحاسم الذي سيُحَضِّرُ لعودة المسيح، ويُعجِّل بتحقُّق النبوءة: هو الإيمان بمحرقة نووية أو حرب شاملة «هرمجدون/Armageddon»، حيث يفنى في هذه المحرقة كل أولئك الذين ينكرون المسيح من الملحدين الشيوعيين، المسيحيين العلمانيين وغير الإنجيليين، ومن المسلمين، ومن معظم اليهود، إن الاندفاع المبالغ فيه لإرادة الحرب لدى المحافظين الجدد تحت إلحاح العقيدة الإنجيلية، هو خير دليل على هيمنة النبوءة على السياسة، وقد عبّر هال ليندسي -عرَّاب هذه العقيدة- عن ذلك قائلاً: «قبل أن يصبح اليهود أمة لم يكشف عن شيء، أما الآن وقد حدث ذلك فقد بدأ العدّ العكسي لحدوث المؤشرات التي تتعلق بجميع النبوءات، فإن العالم كله سوف يتمركز على الشرق الأوسط، وخاصة على إسرائيل في الأيام الأخيرة، إن كل الأمم سوف تضطرب وسوف تصبح متورطة فيما يجري هناك». إن وعي الصهاينة بأنهم جزء من المحرقة الإنجيلية هو ما يدفعهم إلى تفضيل إرادة الحرب الجزئية كخيار استراتيجي، بدل الحرب الشاملة في كل حروبهم مع العرب، كما أن صفقة القرن جعلت دعاة السلام يدركون أن أميركا ليست طرفاً في الحل، بل هي جزء من المشكلة، لأن سياساتها مدفوعة بإرادة النبوءات، وقرارتها رهينة بأجندة عقيدة دينية متطرفة، إن حدود السلام الذي ينشده بعض القادة العرب والفلسطينيين، لا يتجاوز ما يسمح به الصهاينة في إسرائيل من مناورات لتفادي الحرب الشاملة، التي تبشر بها عقيدة الأصولية الدينية المتحكمة في السياسات الأميركية خارجياً وداخلياً. يبدو أننا نشهد ملامح أوضح صورة لتواطؤ الحقيقة والسلطة، إذ ليس مهماً أن تتغير الحقيقة، ولكن المهم أن تستمر السلطة، إن الخلاص الذي ينشده دعاة السلام من أي سياسي أميركي لا يملكه لنفسه، لأن الحقيقة المطلقة هي التي تجسّدها السلطة عبر النبوءات الدينية، وهو ما عبّر عنه أندريه مالرو: «إن القرن الحادي والعشرين سيكون دينياً أو لن يكون»، فالدين هو المحرك للتاريخ والجغرافيا، وهو رهان القرن الحادي و العشرين والقرون التي تليه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.