الأربعاء 05 صفر / 23 سبتمبر 2020
10:29 م بتوقيت الدوحة

جنّة أبي تمّام

جنّة أبي تمّام
جنّة أبي تمّام
عندما أدخل جنّة أبي تمّام الطائيّ أقول: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله»، لما فيها من أَلَقِ بيانٍ، وسحر لسان، فيها المدائح الملاح، والمرثيّات المبكيات، والنسيب والشجون، نابعة من لسان صارم، وبحر لا تكدّره الدلاء، وعدسة لا يشوشها الضعف، ولا ينتابها العيّ.
لدى الشاعر من الخصوبة ما لا يتركه في حاجة إلى اجترار أفكار غيره، ولا اقتفاء أثرهم، نجيب اللغة، موفور المعاني، حاضر الفطنة والبديهة، وإليكم شذرات من كنوزه نستطلع فيها بدعته في الوصف، وقدرته على خلق أشكال شتّى من مادة واحدة، وسيلته إلى ذلك لغته الليّنة الطيعة، يقولُ في بني العباس:
في كُل جَوْهَرةٍ فِرِنْدٌ مُشرِقٌ
وهُمُ الفِرنْدُ لهؤلاء النَّاسِ

لم يبخس الناس أشياءهم، ولم يجعل بني العباس جوهرة وخلفية الناس وراءهم كالرمال، بل جعل الناس جوهرة، وبنو العباس لبّتُها وحبّة ماسها، وهي أنفس ما في الجوهرة، هذا مذهب له في الوصف، عاكسه في موضع آخر في رثاء الطوسيّ، فقال:
كأَنَّ بَنِي نَبْهَانَ يومَ وَفاتِه
نُجومُ سَماءٍ خَرَّ مِنْ بَيْنها البَدْرُ
لئن أَلبستْ فيهِ المصيبةَ طيّءٌ
لَمَا عُريَتْ منها تَمِيمٌ ولا بَكْرُ

لقد حضرت الصورة إلى الألباب، وقفزت إلى الإِدراك بمساعدة هذا الوصف الرائع، كان القوم حول فقيدهم كالنجوم حول البدر، وكالهوامش حول المتن، فماذا يبقى من بريقهم إذا خُسف بدرُهم، وتركهم في ظلمات لا يقدرون على إنارتِها من بعده؟ وعلى خلاف الصورة الأولى التي جعل فيها النفاسة والقيمة في الصغير، وقدّمه على الكبير فجعل بني العباس الفرنْد، والناس الجوهرة، إلا أنه هنا قدّم الكبير على الصغير، فجعل الطوسيّ البدر، وذويه النجوم، ثم جعل مصيبته ثوباً يلفّ العوائل والقبائل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عدسة أبي العتاهية

05 يوليو 2020

ليالي النابغة

28 يونيو 2020

أبو أُذينة اللخميّ

14 يونيو 2020

عدسةُ ابن خفاجة

07 يونيو 2020

المنيّة

31 مايو 2020

الشاعر الرحّالة

24 مايو 2020