الجمعة 07 صفر / 25 سبتمبر 2020
04:09 ص بتوقيت الدوحة

الربيع الأميركي: النبوءة والسياسة

الربيع الأميركي: النبوءة والسياسة
الربيع الأميركي: النبوءة والسياسة
من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية مع ترمب «حرائق الغابات، جائحة كورونا، التصعيد مع الصين والتهديد بحرب نووية، صفقة القرن...»، كل ذلك يدفعنا لطرح سؤال بطعم الفرضية: هل هناك من يَجُرُّنَا إلى حرب شاملة وفوضى عالمية وكساد مالي ويرغب في استمرار الفوضى في العالم ويؤجّجها؟
إن الجواب قد نجده في طقوس وأفكار دينية متطرفة تدور في ردهات مغلقة، أو يعلن عنها كتّاب من أمثال «جيري فولويل، وهال لندسي، وبات روبرتسون...» وغيرهم من منظّري اليمين المسيحي الجديد، الذين يعتقدون أن الكتاب المقدس يتنبأ بالعودة الحتمية الثانية للمسيح بعد مرحلة من الحرب النووية العالمية أو الكوارث الطبيعية والانهيار الاقتصادي والفوضى الاجتماعية، مما يرجّح ضلوع هذه العقيدة في كثير مما يحدث في العالم «حرائق الغابات، الحرب البيولوجية، الفوضى الاجتماعية...»، خصوصاً أن الرئيس الحالي من الدغمائيين المؤمنين بهذه العقيدة، وطالما استعمل رموزاً وإيحاءات دينية، وانتهج سياسات معزّزة للنبوءات الدينية المبشّرة بقرب نزول المسيح، إن مقولة هال لندسي عرّاب الأصولية المسيحية: «إن الله يريدنا أن نخوض معركة رهيبة تضع حداً للتاريخ الإنساني، والآن مع حوالي اثنتي عشرة دولة تملك السلاح النووي، نستطيع بالفعل أن نقضي على العالم»، خير معبّر عن ما نشهده من فوضى عالمية عارمة، وتصعيد سياسي مع الصين وروسيا، ربما قد يدخل كل ذلك ضمن مناورات التعجيل بتحقيق هذه النبوءات الدينية، إن ما نعيشه اليوم من خوف من المجهول مع هيمنة فكرة النهايات «، فضلاً عن جائحة «كورونا»، والترهيب من مغبّة الكساد الاقتصادي المقبل، والفوضى الاجتماعية والأخلاقية، قد يكون كل ذلك طقوس خاصة تهيئ البشرية لثقافة الخلاص «عودة المسيح المخلّص»، التي رسخّتها هذه العقيدة في الذاكرة الجماعية للبشرية، يبدو أن كل هذه العقائد الشاملة، أنتجت وهماً ربما أخطر من أطروحة نهاية التاريخ، وهم الخلاص ونهاية العالم «الحرب الشاملة «.
يبدو أن الوهم الحقيقي هو الاعتقاد أن القرارات الحاسمة الاستراتيجية، يصنعها أشخاص مثل ترمب أوأوباما أو كنيدي، بل تصنعها الدولة العميقة المحكومة بسلطة اللوبيات الدينية «اليمين المسيحي الصهيوني - اللوبي اليهودي» واللوبيات الاقتصادية «الشركات متعددة الجنسية» المهيمنين على القرار السياسي، هذه اللوبيات تجعل مصالحها فوق كل اعتبار حتى ولو كان فناء العالم مقابلاً لذلك، و لا تعير الاهتمام لأي شيء سوى منطق المصلحة التي تخدم أجنداتهم وما سيجنونه من منافع إما مادية أو اعتبارية دينية، قد يترك هامشاً لمؤسسة الرئاسة للتحرك في الأمور الداخلية، لإعادة الثقة للأميركيين في مؤسساتهم، خدمة لتلك الإرادة الخفية التي تحرك الآلة الأميركية «الدولة العميقة». يبدو أن هناك من يسعى لتأجيج الوضع وخلق الفوضى العارمة، ولا يهمه مصير أميركا ولا مصير العالم، وهو ما يعني صدام إرادات داخل الدولة العميقة في أميركا، بين لوبي اليمين المسيحي المعجل بالخراب والكساد والفوضى، قرارات ترمب غير المفهومة «عسكرة الشوارع، تأجيج العنف، السماح للكنائس بخرق الحجر، حمله للإنجيل مخالفة للبروتوكولات الرئاسية...». وبين اللوبي اليهودي الذي يرغب في إنهاء هذه الفوضى، لأنه يدرك أن تحقق نبوءة نزول المسيح مشروطة بنهاية الكيان الصهيوني، إن هذا الصراع غير المعلن تبرزه القرارات الارتجالية الأخيرة والصراع داخل دائرة صناعة القرار «معارضة المؤسسة العسكرية، ووزير العدل لقرار العسكرة...»، وهو ما يضع مصير ترمب على المحكّ قبل الانتخابات الرئاسية، فنكون بذلك أمام سيناريوهين: إما أن تنتصر إرادة اللوبي اليهودي الذي يعتبر أن ترمب استنفد أغراضه، وبات يهدد الكيان الصهيوني بحربه الشاملة، وتماديه في خلق الفوضى العارمة منفعلاً مع إرادة لوبي اليمين المسيحي، أو أن يتمادى ترمب في نزوعه الفوضوية، والمبالغة في الترهيب بجائحة «كورونا»، وربما قد يذهب في خطوة غير مسبوقة إلى تأجيل الانتخابات، إذا ما مالت الكفة للوبي اليهودي الذي سيدعم جون بايدن والديمقراطيين «كحزب يهتم أكثر بالرفاه الاجتماعي»، رغبة في احتواء الفوضى الاجتماعية وتفادي خطورة الحرب الشاملة، كآخر شروط تحقق نبوءة نزول المسيح، وهذا قد يعني التضحية بترمب بأي ثمن، ومهما كانت العواقب الاقتصادية والسياسية، إن هذا الصراع الأنطلوجي المحتدم بين القوتين الدينيتين، هو ما سيعجّل بفرضية نهاية أميركا بنيوياً وتفككها من الداخل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.