السبت 08 صفر / 26 سبتمبر 2020
03:24 م بتوقيت الدوحة

الدولار «شريان الحياة»

سحر ناصر

الخميس، 18 يونيو 2020
الدولار «شريان الحياة»
الدولار «شريان الحياة»
العالم يعيش اليوم في سباق على الابتكار والاختراع، وفيما تسعى الدول الكبرى إلى تكريس مكانتها في مجال التقدّم العلمي والاقتصادي والاجتماعي، تحاول الدول النامية استقطاب الباحثين والعلماء أو ما يعرف بـ «الأدمغة» في شتى المجالات.
يبقى لبنان بلد الاستثناء، إذ ما زالت الحكومات اللبنانية وما يلحقها من إعلام مرئي ومسموع وعلى مرّ السنين منذ الاستقلال في الأربعينيات، يفتخرون بما نسميه «هجرة الأدمغة»، فقد تعلّمنا في كتب الجغرافيا أن «الأدمغة» هي من الصادرات اللبنانية، وكنّا نفرح بذلك على سذاجتنا، حتى اقتنعنا بفكرة أنه إذا كان دماغك فذاً فعليك أن تهاجر.
مع مرور الأعوام، تبين أن ما درسناه صحيح، لأنه إذا كان دماغك أقوى من الغريزة، فلا مكان لك في لبنان، وإذا كان دماغك نظيفاً من شوائب الطائفية والرواسب السياسية المتوارثة، فلا بدّ من استثمار مواهبك الفطرية خارج البلد، لأنك ستتمكّن من دعم الاقتصاد اللبناني، فقد تعلّمنا في طفولتنا أيضاً أن اقتصادنا قائم على تحويلات المغتربين، وكنّا كأطفال نفرح بذلك أيضاً، لأنهم لم يُدرّسونا أهمية هذه التحويلات في بلد تُنهب ثرواته الداخلية.
ولأننا شعب يحبّ الحياة، ينتقل بعضنا من التظاهر والقنابل المسيلة للدموع والاعتصام بسبب الجوع، إلى مسابح الـ «5 نجوم» لقضاء بقية اليوم، والتغريد في «تويتر» عن حال البلد، احتفلنا أول أمس باليوم الدولي للتحويلات المالية العائلية، الذي تخصصه الأمم المتحدة، في 16 يونيو من كل عام، لتكرّم العاملين خارج أوطانهم، والذين يعيلون أسرهم.
وكيف لا نحتفي كبلد مصدّر للأدمغة بهذه المناسبة، والأرقام تشير إلى أن 200 مليون عامل مهاجر، نصفهم من النساء، يعملون بشكل مباشر حول العالم، لإعالة 800 مليون شخص في 200 دولة، هذه التحويلات المالية وصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بأنها «شريان الحياة».
شريان الحياة الذي يمدّه اللبنانيون المقيمون خارج لبنان والمغتربون، وغيرهم كثير من الشعوب، يأملون من خلالها بناء أوطانهم ومجتمعاتهم، ولكننا نُصاب بخيبة تُدخلنا إلى المستشفيات شهرياً، عندما نرى تعبنا وعمرنا الذي أفنيناه في المنفى الاختياري والغربة، لم يبنِ لنا وطناً. بل على العكس، تساهم تحويلاتنا في تدمير ما تبقى من الوطن، لأن الطبقة الحاكمة اعتادت ترك مصير الناس للناس، حيث يثق السياسي الماكر أن الابن الذي هاجر لن يترك والدته بلا دواء، والبنت التي هاجرت لن تترك أباها بلا عشاء، وهكذا، اعتمدت الأجيال الجديدة في لبنان على أحد أفراد الأسرة من المهاجرين.
بينما تستمر الشعوب في تحويل الأموال، ويزداد خطر توقف «شريان الحياة» بسبب تداعيات «كوفيد - 19»، يستمر نهب التحويلات، سواء عبر الرسوم والضرائب والتكاليف المعيشية، وبلع الودائع المصرفية، وغيرها من الجرائم المنظمة.
بينما المهاجر يبكي دماً منتظراً عودته بتابوت إلى لبنان، وجيل جديد من «أصحاب الأدمغة» الذي يحلم بالهجرة، هناك أكثرية من المقربين الذي يتجوّلون بلا «أدمغة» ويحطّمون نافذة الوطن، هؤلاء هم النخبة والأخيار المطلوب بقاؤهم في لبنان في بلادي تعيش الغرائز وتتكاثر الجراثيم الطائفية وتنمو على نفقة «الأدمغة» خارج الوطن، ليهتف المحرومون من نعمة الدماغ بـ «يحيا الزعيم» ولو مات الوطن، ويبقى في نظرهم الدولار.. «شريان الحياة».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا